فهرس الكتاب

الصفحة 8841 من 23694

وبعد أكثر من قرن جاء ملك بابل بختنصر [1] (حكم بين 605 ـ 526) . فأنشأ الحدائق المعلقة الذائعة الصيت في قاعدة ملكه بجانب قصره الفسيح. كانت هذه الحدائق سطوحًا ومستويات مستطيلة مُهِّد بعضها فوق بعض، تتألف من تراب خصيب هو طمي الفرات. وكل سطح يتجاوز ماهو أعلى منه. ويزرع على جوانب السطوح وممراتها النخيل وبينه النباتات الظليّة البديعة العطرة. وقد جُرَّ الماء من الفرات بأقنية وبآلات مائية يتناوب في إدارتها طوائف من الرقيق حتى يصل إلى أعلى طبقة من تلك السطوح ثم يتسبسب الماء من سطح إلى آخر دونه. وتقوم في الساحة العليا مقاصير لسكنى الملك وأسرته، ومن تلك المقاصير تلوح الأشجار والأزهار نزهةً للأبصار كما تهب النسمات تحمل الشذا المعطار. وإنما ابتنى الملك تلك الحدائق كُرْمى لزوجته الأميرة الميدية ورفقًا بها من قيظ العراق. وقد نسبت تلك الحدائق خطأً إلى الملكة سمير اميس، وكانت الحدائق إحدى عجائب الدنيا لهج بجمالها وعظمة بنائها وطاقة تكوينها السياح إذ ذاك من كل صوب.

إلى الجنوب والغرب من بلاد مابين النهرين اتسق فن الحدائق قديمًا في مصر. ولما كانت مصر"هبة النيل"كانت الحدائق والبساتين فيها قائمة على وجه الأرض وقريبة من هذا النهر العظيم أو من أحد فروعه لتمتاح منه ما تحتاجه من مياه للسقاية والري. وكانت مزروعاتها الأشجار المثمرة من نخيل وجمّيز (تين فرعون) وغيرهما. وكان الزرّاع يشقون من النهر إليها جداول تلتقي في وسط البساتين لتؤلف حوضًا واسعًا ينمو فيه النيلوفر الأبيض المصري (اللوتس) والنيلوفر البنفسجي وجنبات البردي كما تلعب في مياهه الأسماك وتتعايش معها الطيور المائية. وكل بستان مسوَّر يضم في داخل أسواره أطايب العيش ونِعم السعادة ومفاتن الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت