على أن الحديقة باختصارها للطبيعة واعتبارها معرضًا لبعض مجاليها وصورها تضم ما في الطبيعة من قيم جمالية. فلاشك أن الورود والنرجس والبنفسج والريحان والأقاحي ينظر إليها الفن بمنظاره ويصنف قيمتها الجمالية في مرتبة الرقة واللطف والحلاوة والرهافة، كما ينظر إلى الدوحة الباسقة والأرزة الشامخة الباذخة فيشعر تجاهها بعاطفة السمو و الروعة، وينظر إلى البركة المتسعة التي يسبح في سطحها البط فيشعر بالحسن والرشاقة والانسياب والسهولة، وكلما أنعم المرء النظر في الطبيعة تأمل محاسنها في مختلف الآناء والفصول استخفته مجاليها الممتعة وأنس بعناصرها البديعة وأخلد إلى ما فيها من الائتلاف والاختلاف وتعدد الألوان والأصباغ وإلى قوة الحياة المنبثة في غضارة نباتها وإلى ما ينبعث في مجاليها من رأم وحنان. وقد يتمثل بقول الشاعر أبي نصر المنازي أو الشاعرة حمدة بنت زياد:
وقانا لفحة الرمضاء وادٍ
نزلنا دوحة فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالًا ... ألذ من المدامة للنديم
تروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم
يصد الشمس أنَّى واجهتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم
ثم إن إنشاء الحدائق وتعهدها يقتضيان تقدم الفلاحة ووجود زرّاع وأكّارين يستصلحون الأرض ويجعلونها مخصابًا إن لم يكن الخصب من صفاتها ويعرفون أنواع النبات وخصائصه وحاجاته ومايزكو ويربو به من تراب وسماد وسقاية ويدركون أشكال نموه وتفرعاته وأغراسه ومزاياه. ... حيُّوا الديار ببرزماهن
وأقدم ما يعرفه المؤرخون عن تقدم الفلاحة يرجع إلى عهود مابين النهرين أحد مهود الحضارة الإنسانية. يقول المؤرخ المسعودي في كتابه"مروج الذهب"عند بحث ملوك بابل:"فهؤلاء الذين أتينا على أسمائهم وذكرنا مدة ملكهم هم الذين شيّدوا البنيان ومدنوا المدن وكوَّروا الكُور وحفروا الأنهار وغرسوا الأشجار واستنبطوا المياه وأثاروا الأرض واستخرجوا المعادن من الحديد والنحاس والرصاص وغير ذلك.".