فهرس الكتاب

الصفحة 8541 من 23694

وحقًا كان الشعر ديوان الجاهليين، كأنه بمجموعه كتاب عظيم، محفوظ في الصدور، عبّر فيه الجاهليون عن أفكارهم وعواطفهم، وصوروا فيه آمالهم ومطامحهم، وسجلوا في ثناياه كل تقاليدهم وأخلاقهم وعاداتهم وغيرها من مظاهر الحياة عندهم. وكانت أجيال الجاهليين تحفظ هذا الشعر وترويه جيلًا بعد جيل، وكأنها تقرؤه في كتاب مكتوب. ولقد كان للأمم الغابرة من أصحاب الحضارات القديمة كتبهم المدونة في الدين والأخلاق والأدب والفلسفة وغيرها من زبد الفكر يقرؤونها ويتأدبون بها ويتثقفون. ولم يكن للجاهليين شيء من أمثال هذه الكتب. ولكن كان لديهم هذا الشعر، وكانوا يروونه ويتأدبون به ويتثقفون، وهكذا كان الجاهليون يجدون في قصائد شعرائهم المتعة الفنية ومادة الثقافة بما تضمنت من ذكر المآثر والمفاخر والمشاعر الإنسانية في مواقف الإنسان الجاهلي المختلفة في الحياة، والتغني بكل ذلك في تعبير فني جميل يستمد جماله من ثراء الفن الشعري في لغته ومعانيه وأوزانه وقوافيه المنغومة. وعلى هذا يمكننا أن نختصر ونقول: إن الشعر الجاهلي هو مادة الفن والتربية والثقافة في وقت واحد لأجيال الجاهليين. وهذا هو معنى قول عمر بن الخطاب (3) :"كان الشعر على قوم، لم يكن لهم علم اصح منه". ويشير عمر في قوله هذا إلى الشعر الجاهلي وأصحابه أهل الجاهلية. ولقد صدق عمر بن الخطاب وهو العارف بالشعر، ومن بعده ابن سلام وهو العالم بالشعر، لقد صدقا في كلامهما وأدركا قيمة الشعر الجاهلي ومكانته في حياة الجاهليين، وعرفا أنه كان مجمع الثقافة عندهم ووسيلة انتشارها بينهم ومدعاة استمرارها في البقاء والحياة مع أجيالهم المتعاقبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت