على أننا نجد في هذا القرن المجدب، من الذرا النحوية والقرن الذي سبقه صُوّة ينبغي التوقف عندها، وهي محاولة إعادة اللحمة بين علوم اللغة العربية، وهي العلوم التي استعرضنا آنفًا أثرها في غزارة التأليف اللغوي، والتي شذب بعض النحاة النحو منها ليتحول النحو إلى قوانين جافة لا روح فيها. وكان بإمكان موسوعي كبير مثل بهاء الدين السبكي (763هـ) أن ينجز هذا العمل العظيم لو أنه تحمس له وأكمل ما بدأه في شرحه للتخليص في علوم البلاغة، المعروف بعروس الأفراح.
وشروح أهل القرن التاسع على العموم تتصف بالتحقيق الدقيق في المتن المشروح، والجمع المستقصي للآراء. وإن كان يعيبها التكلف الشديد لدى بعضهم، والبحث عن مكامن الضعف لدى خصومهم. وأعتقد أن من المفيد أن نكمل الخطوات التي خطاها نحاة ما قبل العهد العثماني بإعادة النظر في ذلك التراث الكبير كمًا وكيفًا، فننسق بين الشروح المتعددة للكتاب الواحد، شريطة أن تكون شروحًا حسنة، فنصنع منها مؤلفًا واحدًا على نحو ما فعل البرقوقي بشروح ديوان المتنبي. ونضع البقية من التراث الذي لا يساوي أكثر من قيمته التاريخية في مكانه اللائق، فنريح بذلك مطابعنا وقراءنا وطلابنا الباحثين عن مخطوطات للتحقيق، تكون مرتقى لهم إلى الدرجات العلمية، خير من أن نسوق الجميع بعصًا واحدة، فننكر على أمثال ابن يعيش والرضي أعمالهم العظيمة.
الحواشي:
(1) مقدمة ابن خلدون 1230.
(2) ظهر الإسلام 2/115.