4-وعلى أثر الخلافات السياسية والصراعات الدموية تبلورت فرق عقائدية شتى، من قائل بالجبر، وقائل بالاختيار، ومن أهل العدل والتوحيد، إلى أهل التشبيه، إلى ما هنالك من فرق أذكت الأحداث عواطفها، وصقلت التجارب أفكارها، فوجد علم الكلام، يبحث في موضوع صفات الله، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف... وبسط هذا العلم جناحه على أهل العراق وفارس خاصة. ووجد مكانًا له في ساحة النحو، كما في سوح العلوم الأخرى. فإذا اختلف النحاة في إعراب (أنْ) في قوله تعالى"وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا" (36) لجأ بعضهم إلى علم الكلام، فقال:"إلهام الله تعالى لعباده بقوله وأمره"فرد الآخر بأن الإلهام مفسر في الكتب الكلامية بإلقاء معنى في القلب بطريق الفيض" (37) . وإذا قال ابن هشام في معرض خروج (إذا) عن الاستقبال في قوله تعالى"والنجم إذا هوى" (38) "والليل إذا يغشى" (39) لأنها لو كانت للاستقبال لم تكن ظرفًا لفعل القسم لأنه إنشاء، لا إخبار عن قسم سيأتي، لأن قسَم الله قديم، أجابه الشمني"إن أراد القسم اللفظي فقد تقرر في علم الكلام أن الكلام اللفظي المؤلف من الحروف الملفوظة المسموعة ليس بقديم، ومعنى إضافته إلى الله تعالى أنه مخلوق له تعالى، ليس من تأليفات المخلوقين، وإن أراد النفسي فقد تقرر أيضًا أن الكلام النفسي صفة واحدة في الأزل ليست بمنقسمة إلى أقسام الكلام التي هي الخبر والأمر والنهي وغير ذلك" (40) ثم مضى يشرح مواقف الكرّامية الذين يثبتون الصفات لله تعالى والتجسيم والتشبيه، ومواقف الحنابلة المشابهة، وأبي الحسن الأشعري الذي خرج على المعتزلة من خلال أشهر كتب علم الكلام. ومعلوم ما أثارته مسألة خلق القرآن من مشكلات وصراعات بين المعتزلة وخصومهم زمن المأمون وبعده."