فهرس الكتاب

الصفحة 8533 من 23694

3-وازدهر علم المعاني، ولاسيما بعد كتاب الإمام عبد القاهر الجرجاني"دلائل الإعجاز"واستوى على يد الزمخشري في"الكشاف"، يعقب الزمخشري على الآية الكريمة"ولكم في القصاص حياة" (28) بقوله:"هذا كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أن القصاص الذي هو قتل وتفويت للحياة قد جعل مكانًا وظرفًا لها" (29) وهو بهذا يشرح معنى الظرفية المجازية لحرف الجر (في) . ويشرح قوله تعالى"ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله" (30) :"الأصل ما أمرتهم إلا ما أمرتني به، فوضع القول موضع الأمر رعاية لقضية الأدب الحسن، لئلا يجعل نفسه وربه معًا آمرين" (31) . وفي تفسير قوله تعالى:"أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه" (32) :"هو تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه وأفحشه، وفيه مبالغات شتى، منها الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهية موصولًا بالمحبة، ومنها إسناد الفعل إلى"أحدكم"، والإشعار بأن أحدًا من الأحدين لا يحب ذلك" (33) .

والحق أن صلة النحو بعلم المعاني وثيقة تكاد لا تتبين حدود كل منهما ولاسيما أبحاث الأدوات أو حروف المعاني، فأول ما يفعله المؤلف في بحث الأداة أو الحرف تفصيل معانيها، ومهمة علم المعاني تعميق فهم الطالب، فإذا قال ابن هشام عن الهمزة"إنها ترد لطلب التصور، نحو: أزيد قائم أم عمرو؟ ولطلب التصديق" (34) استعان الشارح بالسيد الشريف الجرجاني في حاشيته على المطول"والتحقيق أنها، أي الهمزة، في قولك (أدبسٌ في الإناء أم عسل) لطلب التصديق أيضًا، فإن السائل قد يتصور الدبس والعسل، وبعد الجواب لم يزد له في تصورهما شيء آخر أصلًا، بل بقي تصورهما على ما كان، فإن قيل: التصديق حاصل له حال السؤال فكيف يطلبه؟ أجيب بأن الحاصل هو التصديق بأن أحدهما في الإناء مثلًا، والمطلوب بالسؤال هو التصديق بأن أحدهم كالعسل مثلًا في الإناء" (35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت