فهرس الكتاب

الصفحة 8510 من 23694

وإنما المهم تأليف ذلك كله تأليفًا معجزًا مبتكرًا بديعًا لا يعلو عليه تأليف في موضوعه ولا تستطيع أن تناله بالتغير والتبديل وهذا هو سر الإلهام وحقيقة الإبداع، وهذا ما نظن أن حافظًا قد بلغ الأوج فيه والاحتفاظ به. لم يكن أحد يدرك إذ ذاك أن ذلك الصبيّ الخباز سوف يصنع بشعره أطيب أصناف الحلوى الحسية والروحية ليقدمها إلى العالم أجمع. يضاف إلى ذلك أن لسان الغيب كما أصبح يدعى لم يقبع في برج عاجي ولا كان بعيدًا عما يجري في مجتمعه ويقع بمدينته من ضغوط اجتماعية ومن عنف ومحن وطوارئ محزنة، فكان في شعره يعمد إلى التلميح في الحين بعد الحين ويشير ولو من بعيد إلى تلك الظروف الاجتماعية، حتى إن شراحه يجهدون في إرجاع كل تلميح إلى حادث مسمى. ولا غرو في ذلك فقد كان ذا قلب إنساني بكل ما في لفظ الإنساني من معنى شريف وخلق سام، فهو يكره التزلف ويبغض النفاق والرياء ويندد بالاستبداد وينوه بالحرية والنقاء. قلبه عامر بحب بلده شيراز برج الأولياء وبحب غيدها، طافح بحب أمته، بل بحب الإنسانية كلها. وهو إذا ظهر في شعره بمظهر الماجن المستخف بالعرف فلكي ينكر التعصب وينادي بالحرية الفكرية والمعاشية، ويجذب الأنظار نحو الفقراء والدراويش، ويتمشى مع عواطفهم. أوليس ينكر على الشعراء انسياقهم في مظاهر الترف بلا طائل ولا فائدة حين لا يبالون فقر الفقراء ولا حاجة المحتاجين؟! من المعلوم أنه كان متمكنًا من العلوم العربية ومن العلوم الدينية كما سلف حتى إنه كان يدرّس تفسير الكشاف في مدرسة شيراز ويُحَشّي عليه إلى جانب حفظه القرآن. وهو يدرك تمامًا جمال بيتي أبي نواس في قطعته الفنية الجميلة المشهورة:

تدار علينا الراح في عسجدية

قراراتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدريها بالقسيّ الفوارس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت