فهرس الكتاب

الصفحة 8509 من 23694

إن هذا الذي قدمناه لا يكفي. بل نزيد أن الحب والوجد والكأس والشراب والحبيب والربيع والخضرة والرياحين كلها أمور يميل إليها الطبع ويأنس بها القلب وتستلذها الفطرة الإنسانية، ولهذا قرنها الشعراء منذ القديم بأشياء مستحبة وملذوذة أو شبهوها بها، فالوجد يشبه النشوة والحب يشبه السكر والشراب بحسب ألوانه يذكر بالورد أو الياقوت ورائحة التفاح أحيانًا وغيرها... كما أنهم شبهوا وجه الحبيب بالقمر أو الشمس وثغره بالدر وقوامه بالغصن وشذاه بالعبير، وما إلى ذلك من صور شعرية فاتنة، ثم إن الربيع يحكي شباب العمر، وتكاد الخضرة والبساتين والرياحين تمثل الجنان. وقد نستعمل في علم البيان المشبه به مكان المشبه فتلك هي الاستعارة والمجاز ويضاف إلى ذلك الكناية والتلميح وما إلى ذلك من وسائل التعبير التي تضفي ستارًا على المقصود الحقيقي ولكنها تلمح به أو تشف عنه، وذلك هو جوهر الرمز الشعري. ولكن هذا رمز ندعوه من الدرجة الأولى. فإذا صعدنا درجة أعلى واعتمدنا تلك الاستعارات لا لأجل ما تدل عليه في عالم الواقع من حبيب إنساني وخمر مادية وكأس بلورية ولا ما تحاكيه في عالم الشعر من شمس أو قمر أو ورود أو عقيق أو لازورد بل لتشير إلى معالم علوية كالحب الإلهي والنشوة بهذا الحب، وكحنين النفس إلى القيم العليا مشابهًا لعشق الفراشة للنور ثم التغنّي بالضياع وخلع العذار في هذا العشق السامي، فإن ذلك رمز ندعوه من الدرجة الثانية وهو أكثر عمقًا وأشد شفوفًا عن أبعاد متعددة وعن عوالم متفاوتة الصور كالعالم المادي والعالم الشاعر والعالم الروحاني منظمةً ومرتبةً على مستويات ثلاثة وما إلى ذلك من آفاق واسعة حرة مستجيبة للتأويل وغنية بالصور والأحلام...

ربما يعمد الشاعر إلى مثل هذا الرمز المتعدد الدرجات ولكنه لا يأتي بالشعر العجاب. ذلك أن المهم لا حشد المعاني ولا لطافة الألفاظ ولا حساب الوزن والإيقاع، ولا غيرها من العناصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت