ذلك أن شعر حافظ يختلف دارسوه وشراحه في حقيقة مقاصده أكان يريد بالخمرة بنت الكرم وبالأحباء بنات شيراز الشهيرات بالجمال والإغراء ذوات العيون السود السابية والثغور النقية والقدود المائسة وضفائر الشعر المسبلة على الكتفين والحديث الناعم والشذا الفاغم أم يريد معاني روحانية ومجالي ربانية يحار في تأملها الدرويش الصوفي ويغرق في لآلائها فكر الشاعر الحكيم. أوكان حافظ يلازم حقًا خمارات المجوس وأديرتهم أم كان يرمز بها إلى الظواهر المادية التي كان يتجاوز أشكالها وسقاتها وراحها إلى ما وراء ذلك من لُبانات مثالية عالية؟... إن ذلك الإبهام يسبغ على أشعار حافظ صفة الرمز. وللرمز الشاعري الملائم للطبع مزايا كثيرة... منها أن الرموز متصلة بالحالات النفسية التي يريد الشاعر أن يصورها أو يوحي بها ويشير إليها. ذلك أن معاني الألفاظ الحقيقية تحيط بالفكرة وتحصرها وتحدها، ولكن المعاني الرمزية تطلق الفكر في جو من التأمل وتحمله على بُراقها في رحلات بعيدة، وتتيح له أن يكشف عن رؤى بديعة تتنوع حسب الطبع والميول والثقافة والسريرة... وهذا يجعل السامع أو القارئ يشعر بجذل لذيذ خفي حين يتوهم أنه يشارك الشاعر في تحري تلك الرؤى الطريفة وفي تبصرها. إن الوضوح التام يحرم الفكر من غبطة الحزر التدريجي. أما الإيحاء والغموض فهما الغاية المنشودة وهما السر المخامر للرمز. الوضوح التام يجعل الفكر يقف عند رؤية المرء سطح البحر ولكن الرمز يحفزه على الغوص في أعماق اللجج لالتقاط اللآلئ. الوضوح التام ينظر أيضًا إلى صفحة القبة الزرقاء في النهار فيراها جميلة حقًا بلونها السماوي اللازوردي، ولكن الرمز ينظر إليها في ليلة صافية فيجعل الفكر يُشْدَهُ بتأمل نجومها وكواكبها وبروحها ويحاول السفر بعيدًا في أجوائها الساحرة الشاسعة..