والباحثون في شعر حافظ متفقون جميعًا على عذوبة ألفاظه وبعده عن الكلمات النابية والعبارات الواهية ومجمعون على ما في هذا الشعر من إيقاع مؤثر ينجذب إليه القلب ويطرب له السمع وتهش له النفس، إذ يصور نزعاتها الحسية والعلوية معًا، وتبتهج به الروح إذ يحلق بها في جو من الأحلام والآمال والحرية والصفاء والإبداع، هذا كله ينوّه به علماء اللغة الفارسية وزعماء الأدب الفارسي...
أما نحن فنريد أن نعالج بعضًا من معانيه التي نزعم أن التفنن في سبكها وفي تلوينها من أسرار إبداعه. هذه الأسرار قد لا يدركها الحساد الشانئون فيلخصونها في جملة من الأغراض المتكررة المتباينة، وذلك على مثال ما يروى من أن سلطان شيراز الشاه شجاعًا كان ينظم الشعر ويريد أن تبلغ أشعاره ما بلغته أشعار حافظ من الشهرة وبعد الصيت وكمال الصنعة وإحسان الأداء، فاستدعاه يومًا وانتقد غزلياته قائلًا:"إن واحدة من غزلياتك لا تجري على نهج واحد من أولها إلى آخرها بل إننا نجد في الغزل الواحد بعض الأبيات في وصف الخمرة وبعضها في التصوف والباقي في التغزل بالحبيب، وهذا التلون والتنوع في أغراض الغزل لا يجيزها البلغاء والفصحاء". وقد صعب على حافظ أن يشرح له أسرار صناعته، ومن المعلوم أن الشعراء يقولون أشياء جميلة دون أن يدركوا كيف يقولونها كما قرر قديمًا سقراط زعيم فلاسفة اليونان، فلم يجد حافظ ما يرد به على الشاه شجاع خيرًا من أن يوافقه على ما ذهب إليه وأن يختم عبارته بلون من الثقة بالنفس والسخرية اللاذعة فقال:"إن ما قاله مولاي هو عين الصدق ومحض الصواب، ومع ذلك فإن أشعار حافظ يتردد إنشادها في الآفاق على حين لا تتجاوز أقوال غيره من الشعراء أبواب شيراز"...