فهرس الكتاب

الصفحة 8505 من 23694

من الصعب على الباحث أن يُمْسِك بأسرار كشفٍ علمي يدرسه أو إلهام شعري يتأمله. ولكنه يستطيع أن يوضح تلك الأسرار ما تسنّى له الإيضاح. ومن الصعب أيضًا أن يتلمس الباحث عبقرية الشاعر إذا كان غير مختص بلغة الشاعر وآداب قومه، ولكن هاتين الصعوبتين قد يجدهما الداني القريب كما يجدهما القاصي البعيد. وقديمًا قيل:"شدة القرب حجاب"، وقد يرى البعيد ما لا يراه القريب. ولكنّا نقول أيضًا:"شدة البعد غياب"، وقد يرى القريب ما لا يراه البعيد. وفرق كبير بين أن تسمع خفقات قلب الحبيب وهو في يديك وعلى وسادتك وأن تتصور تلك الخفقات مجرد تصور، وكذلك فرق كبير بين أن تقرأ الشاعر في لغته فتسمع هجسات نفسه وأن تقرأه في ترجماته فتغيب عنك تلك الهجسات الخفية. ومع ذلك فربما يتاح لنا مع قربنا من حافظ في ترجماته وبعدنا عنه في لغته الأصلية أن نحاكيه لمامًا وليس دائمًا ولو في شأن من الشؤون. أوليس هو الملقب بلسان الغيب وترجمان الأسرار؟! فلا يعوزنا بحافز حبّه وعاصف الإعجاب بعبقريته أن نتكلم على إبداعه وأن نترجم أسرار هذا الإبداع إلى العربية، حتى للمختصين بدراسة هذا الشاعر العظيم...

إن الشعر كبقية الفنون يتألف من عناصر عدة متباينة وعناصره هي الألفاظ والإيقاع والوزن والقافية والنغم الذي ينساب بين ذلك كله والمعاني المختلفة حقيقية ومجازية ورمزية، والإيحاءات التي تواكب المعاني وتحفّ بها والتي تطلق الفكر في آفاق شتى ثم يأتي فوق ذلك كله ائتلاف تلك العناصر المتعددة والتحامها في صيغة مُثْلى عليا متقنة الأداء رائعة التأثير لا يمكن تصور صيغة أعلى منها في موضوعها المفرد الذي يضم تلك العناصر ضمّ الأم لولدها الوحيد..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت