وربما كان من الطرف ومن المفيد أن نستجلي بعض محاسن شيراز في زمن حافظ نفسه. فلقد عاصره ابن بطوطة (703/1304-779/1377) وزار في ثنايا رحلته الواسعة الطويلة شيراز. وقد دخلها في سنة 727 (كان حافظ يحبو أو طفق يمشي في العام الأول من عمره) ويقول فيها:"وهي مدينة أصيلة البناء، فسيحة الأرجاء، شهيرة الذكر، منيفة القدر، لها البساتين المونقة والأنهار المتدفقة والأسواق البديعة والشوارع الرفيعة. وهي كثيرة العمارة متقنة المباني عجيبة الترتيب. وأهل كل صناعة في سوقها لا يخالطهم غيرهم. وأهلها حسان الصور، نظاف الملابس، وليس في الشرق بلدة تداني مدينة دمشق في حسن أسواقها وبساتينها وأنهارها وحسن صور ساكنيها إلا شيراز. وهي في بسيط من ارض تحف بها البساتين من جميع الجهات وتشقها خمسة أنهار أحدها المعروف بركن آباد (تغنى به حافظ) وهو عذب الماء، شديد البرودة في الصيف سخن في الشتاء، فينبعث من عين في سفح جبل هنالك يسمى القُلَيْعة. ومسجدها الأعظم يسمى بالمسجد العتيق وهو من أكبر المساجد ساحة وأحسنها بناء. وصحنه متسع مفروش بالمرمر. ويغسل في أوان الحر كل ليلة. ويجتمع فيه كبار أهل المدينة كل عشية، ويصلون به المغرب والعشاء. وبشماله باب يعرف بباب حسن يفضي إلى سوق الفاكهة. وهي من أبدع الأسواق. وأنا أقول بتفضيلها على سوق باب البريد من دمشق."
وأهل شيراز أهل صلاح ودين وعفاف وخصوصًا نساءها. وهن يلبسن الخفاف ويخرجن ملتحفات متبرقعات فلا يظهر منهن شيء. ولهن الصدقات والإيثار. ومن غريب حالهن أنهن يجتمعن لسماع الواعظ في كل يوم اثنين وخميس وجمعة بالجامع الأعظم. فربما اجتمع منهن الألف والألفان بأيديهن المراوح يروحّن بها عن أنفسهن من شدة الحرّ. ولم أر النساء في مثل عددهن في بلدة من البلاد"."