فهرس الكتاب

الصفحة 8488 من 23694

فقد تميز أبو العبر عن غيره من المتحامقين بميزات جعلته يتقدم على غيره ويكسب أكثر. أولًا، لأنه كان من أسرة الخليفة الحاكم، الأمر الذي مهد له طريق الصعود السريع إلى بلاطه وجعل له وضعًا خاصًا، سواء كان ذلك وسط حاشية البلاط أم في الحياة العامة خارجه. ثانيًا، للجرأة الذاتية التي جعلته يضرب عرض الحائط بكل الاعتبارات القائمة آنذاك، وينحو المنحى الذي يريد، مما فتَّح لديه كل إمكانات التفوق والبروز. وثالثًا، ونتيجة لذلك، أن أساليبه في التحامق جاءت على نحو يتسم بالتنوع والغرابة المثيرين للعجب وأسباب الشهرة السريعة. فهو لم يعتمد طريقة التحامق التقليدية المتمثلة في استخدام المحالات ومقلوبات الكلام وفحشه فقط، بل وأضاف إليها ما يشبه طريقة دادائيي عصرنا هذا في تكوين قصائد شعر من ترتيب مزق أوراق مكتوبة، على غير انتظام.

فقد"كان، كما يقول، يبكِّر فيجلس على الجسر ومعه دواة ويكتب كل شيء يسمعه من كلام الذاهب والجائي والملاحين والمكارين، حتى يملأ الدرج من الوجهين، ثم يقطعه عرضًا، ويلصقه مخالفًا، فيجيء منه كلام ليس في الدنيا أحمق منه! (15) كما استخدم التعري في غير وقته وموضعه المعتاد. فكان، على سبيل المثال"يتصيد عاريًا من كل شيء، بكل ما يخطر وما لا يخطر في البال من وسائل الصيد، وبكل جوارحه، على حد قوله (16) "! أو يستخدم الأشياء عكس استخداماتها التي خلقت لها، كأن يضع خفًَّا على رأسه بدل القلنسوة، ويضع قلنسوتين في رجليه بدلًا من الخف، أو يدع المتوكل يلقي به من زلاقة إلى البركة ثم يخرجه السَّبّاح منها بشبكة لصيد السمك!".

أي أنه كان مجددًا في ذلك المجال الذي زج بنفسه كلها فيه. ولم يكن سلوكه ذاك خاليًا من الموقف الفلسفي تجاه الحياة ومجرياتها آنذاك، وفقًا للأسلوب الذي وجد أنه سينجح فيه، وقد نيف على الخمسين من عمره. وهي سن التعقل بالنسبة للأسوياء من الناس. ولكن أبا العبر كان استثناء، ويا له من استثناء!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت