لقد عاش أبو العبر حياة سوية، حتى الخمسين من عمره، إذن. وكان يجيد الشعر منذ عهد الأمين إلى أيام المتوكل، ثم أخذ في الحمق والمجون في الشعر والكلام المختلف.
أي أنه كان اختيارًا واعيًا وقرارًا ومدروسًا، ذلك الذي اتخذه أبو العبر، بعد زمن طويل، حتى أصبح لا يوصف إلا بالماجن، الخليع، الهازل، الأحمق، المتحامق، الجاهل والمتجاهل وصاحب الشعر الأحمق. وراح يتكسب بالمجون والخلاعة"فيكسب بالحمق أضعاف ما كسبه كل شاعر كان في عصره بالجد، ونفق نفاقًا عظيمًا.." (17) ، وانصرف إلى المتوكل، ولي نعمته، الذي أجزل له العطاء فأجزل له أبو العبر التحامق والشعر، فله فيه، كما يذكر الأصفهاني (18) "أشعار حميدة يمدحه بها، ويصف قصره، وبرج الحمام والبركة، كثيرة المحال، مفرطة السقوط لا معنى لذكرها لا سيما وقد شُهرت في الناس". تُرى، ما الذي جعل أبا العبر، حقًا، يتجه هذا الاتجاه فيختار الحمق على العقل؟ وما الذي جعله ينفق نفاقًا عظيمًا ويكسب بالحمق أضعاف ما كسبه كل شاعر كان في عصره؟
وإذا ما اعتبرنا السؤال الثاني يصح جوابًا للأول، فما هو الجواب على السؤال الثاني، الذي يمكن طرحه بصيغة أخرى: ما الذي يجعل إنسانًا، كأبي العبر، يختار السقوط على الارتفاع بنفسه، أو الحمق على العقل، ولماذا ينجح في اختياره هذا؟