ماري معلق قلبها بالقمم والجبال. خيالها يحلق دائمًا في الأعالي، في الشمم والعلاء. تذهب إلى منطقة الأرز فوق مصيف بشري في لبنان فتجد خيالها هذا متمثلًا في دوح الأرز الشاهق. وكانت أعمدة سوقه الجبارة المنتصبة تتجاوز السحاب الصيفي المنعقد إذ ذاك فتخط ماري صفحة بليغة في مناجاة هذا المنظر الرائع. ونحن نرغب في عرض بعض سطورها لبيان هذا النوع من الخيال الشامخ الذي يأبى إلا أن يرتفع في الآفاق:
"يا أرز لبنان وملك النبات المهيب"
ما أعظم أن يسمو فوق الغمام عرشك الوطيد
وأن يدوم لك الملك ولم يبق لملك سؤدد
ترنو إليك فواغي الوادي حانية خاشعة
وتبتسم لك فرائد قاديشًا عن لآلئ بيضاء تزري يحبُكِ الفراقد
تجري شلالاته صافية الزلال بين رياض هي كدرجات سلالم الهياكل
مدبجة الألوان، مرتلة إجلالًا لسنائك، هاتفة على تعاقب الفضول بحمدك.
يا أقدم كل حي، وأنضر الطاعنين في السن"."
نلاحظ في كلامها لفظ الفواغي جمع فاغية وهي نَوْر كل ما له رائحة طيبة من النبات. وفواغي الوادي صغيرة وهي أيضًا نابتة في الوادي أي في المنخفضات فهي تبدو حانية خاشعة أمام جلال الأرز الذي هو على بسوقه وشموخه يتملك هام الجبل.
ثم إنها تستعمل لفظًا نادر الاستعمال ولكنه هنا مهم لأنه يدل على العلو وهو الحبك حين تقول حبك الفراقد أي طرائق النجوم في السماء ولا شك أنها قد أفادت هذا اللفظ الذي بقي في ذاكرتها من الآية الكريمة في سورة الذاريات )والسماء ذات الحبك(. وتريد بعبارتها أن تصف الصواعد والنوازل في مغارة قاديشًا بأنها لآلئ بيض تمتد حتى كأنها طرائق للنجوم ولفظ الفراقد جاءت به ليتناسب مع الفرائد ثم تقول:
"يا رمز الشمم والثبات وتمثال التعاضد والمضاء.."
خطت على أفنائك يد العلى سطورًا تتلوها آيات الخلود
فقَهْقَهَ فيك النسيم لا يحبس أنفاسه لحظة سخرًا من المتضائلين
وزهت النضرة في اخضرارك الدائم تهكمًا على الشاحبين""