وهي لا تنسى في هذه النجوى أن تنوه بالعاطفة القومية عند أبناء المهجر لتدعم صلتهم ببلادهم الأصلية. وتناشد الأمم الناشئة بالثبات والتغلب على المصاعب:
"دعني أُذكِّرْ بك أبناءً لك في المهجر ما برحوا أُسْدا"
وما برحت هممهم متصلة بعروقك
دعني أهتفْ حيا الله الأرز عماد الأرائك والأمجاد
دعني أناشد كل أمة هاوية أن تجعل الأرز قِبْلتها
وأحدث من يشاء الخلود بالمصاعب التي لَقِيتَها وظفرت عليها""
ثم تحلم وهي الشاعرة وتتمنى فتقول:
"حبذا لو كنت طيرًا إذن لرقصت أيها الأرز على كل فتن من أفنائك".
ونستطيع أن نذهب إلى ابعد من ذلك ونقرأ ما بين السطور قراءة لا شعورية فنستشف أن مغارة قاديشا الأرضية بصواعدها ونوازلها البيضاء النجمية تحكي الجو النفسي لدى الإنسان. وكما أن في السماء نجومًا تسري في أفلاكها وتبدو مع ذلك ساكنة كذلك في نفس الإنسان جو فلكي تجري فيه الإرادة. وبهذا الاعتبار تزري طرائق الإرادة في النفس بطرائق النجوم الخارجية.
هذا وقد وجدنا ميلًا أصيلًا لدى ماري نحو تحري الألفاظ اللغوية الدقيقة والأساليب العربية الصحيحة الراقية. وكانت هي تعلم اللغة والأدب العربيين في المدارس. وقد سافرت سنة 1940 إلى بغداد حيث عينت أستاذة للأدب العربي.
وكان الأدباء في زمنها يتنافسون في هذا السبيل سبيل تحري الأساليب العربية البليغة على خلاف ما هو الأدب عليه اليوم. ثم إن الأخطاء العربية التي نجدها في مجلة العروس هي قائمة في العمال الذين يخدمون العروس لا في ملامح العروس الجميلة.
بل نجدها في موضع آخر مشدوهة بالأرز، تتمنّى لو كانت هي أرزة فوق الجبال دائمة الخِضرة:
يا ليتني الأرزة فوق الربا الشَّمّاء لا تصفر وقت الخريف!
على أنها كانت تحب دمشق بالغ الحب وتؤثرها بالغ الإيثار. وهي في إيثارها لها تخصها بقصيدة أو موشح بديع كأنه نجوى المحب للمحبوب. وكأنما كتبته وهي بعيدة من جلق مشتاقة لرياضها وغوطتها وشتى محاسنها: