ويتأكد عندنا هذا الحدس حين نقرأ المقالة الأولى من العدد الثامن بعنوان"محبة الأم". جاء فيها:"المحبة سلاح ذو حدين يشع الموت من جانبيه كليهما"وكأن تلك الصورة صورة الأخ الصغير لم تفارق مخيلتها وهو مريض في فراشه يكافح الردى وأمها تسهر عليه حانية متولهة. فهي تبوح برسم هذه الصورة في خطابها لأمها:"عودي إلى فراشك ولا تتسرعي بقتل نفسك بسهرك هذا الطويل. إن العناية تسهر عليه ليلًا كما تراقبينه أنت نهارًا فهلمي إلى غرفتك لتتمكني من إراحة جسدك المتعب. إنك تسرفين بقواك وتبذرينها دون جدوى كأنه لم يَلِدْ مثلُك ولدًا."
هكذا أجبرت الأم على ترك طفلها وأنا لا أعلم من سر هذه المحبة شيئًا، هذه المحبة التي بينما هي ترجو الحياة مرة تنظر إلى الموت عشر مرات.
بعد قليل عدت فوجدت أن بهاء ذلك الملاك قد ازداد رونقًا وجمالًا واصفرارًا، فوقفت أتأمله وقد تحركت بي عواطف الأم فشعرت بلذة فائقة وقلت ما أسعدك أيتها الأم، اندفعت إلى تقبيله وإمساك يده مقلدة أمه فإذا بها كالثلج فتقهقرت إلى الوراء وصرخت من أعماق قلبي ما أشقى حياة الوالدات!
بلحظة واحدة انقلبت اللذة إلى مرارة شديدة غشّت كل سعادة وكل سرور وحوّلت كتلة الحب الحارة إلى قطعة باردة جامدة يتلاعب بها إعصار الموت.""