أما القسم الثاني وهو شؤون بيتية وكيفية تمريض الأطفال والعناية بهم ففي العدد الأول تحت عنوان"المستشفى في البيت، والأقدار والوقاية". تشير ماري إلى مقالة ظهرت في جريدة الإخاء بعنوان"علِّموها علموها"وتنقل حادثة من ألوف الحوادث على حد تعبيرها وهي موت طفل سببه جهل والدته وعملُها بآراء جاراتها الفضوليات. ثم تقول:"وكَمْ وكم من الأطفال يذهبون ضحايا التدجيل والبخل والجهل، وليس عذر الوالدات فيها سوى عدل أحكام القضاء التي لا مردّ لها كأن الأقدار تساعد على إبادة البشر أو كأن إرادة الله تعالى تعمل لإبادة خلقه بدون ذنب منهم ولا سبب". ثم تقول: الله ميز الإنسان عن الحيوان وأعطاه الحرية فيما يعمله فإذا أضرّ بنفسه فهل تلام العناية بذلك؟!""
أرى أن هذه الجمل تشف عن حزن مكظوم يَتَفَلَّتُ من خلال التهكم على منطق البشر الذين يرمون كل خطأ أو مصيبة على القدر حتى كأن إرادة الله تعالى على حد قولها تعمل لإبادة خلقه بدون ذنب منهم ولا سبب.
نحن نقدر هذا الحزن المكظوم ونرده إلى شعور ماري الرقيق وإحساسها المرهّف. فلقد توفي خمسة أولاد من العشرين ولدًا الذين ولِدوا لأسرتها، أي أن نسبة وفيات الأولاد قد بلغت خمسًا وعشرين في المائة لدى هذه الأسرة المتوسطة الحال. وفي أغلب الظن أن وفيات الأطفال هذه قد وقعت في سن مبكرة بين الولادة والسنة الخامسة كما هو معروف وسطيًا في علم السكان. وربما شهدت ماري الصبية الرقيقة وهي بكر إخوتها من الزوجة الثانية بعض إخوتها يموتون من قلة معرفة الأهل تمريضهم ومن الانصياع لأقوال الجارات الفضوليات في وصف العلاج.