أما المسألة الثانية، فتدور حول ربط دراسة تاريخ الشرق القديم عامة بالدراسات الكلاسيكية. ويؤكد ليو أوبنهايم أن حضارة بلاد الرافدين درست لتخدم موضوعات تخص الحضارة الغربية من خلال النظرة إلى التاريخ القديم الكلاسيكي، مثل: الطبيعة، النبات، الفكر قبل المنطقي، القرابة، العائلة، التابو (6) ..
لقد أدى استخدام مصادر إغريقية لاتينية لدراسة الفينيقيين (الكنعانيين) والبونيين (القرطاجيين) وتأريخ طرق معاشهم وحياتهم وتفكيرهم إلى تشويه الحقائق وتحريفها، لأن هذا التاريخ كتب على الأغلب بأيدي مؤلفين نظروا إليه آنذاك، على أنه تاريخ برابرة، حسب المفهوم الكلاسيكي، اعتبروا بأنظارهم أعداء، وأحيانًا أعداء خطرين ينبغي تجاههم الحذر ومجابهتهم.
وتعتبر مشكلة مطابقة أسماء الأرباب في اللغات المشرقية القديمة مع الأرباب في البانتيون الإغريقي والروماني، نتيجة لموقف يمثل رفض المؤلفين الكلاسيكيين الاعتراف للحضارة المشرقية القديمة بالأصالة والخصوصية.
ولكن اكتشاف نصوص أجاريت فرض واقعًا جديدًا في ميدان البحث العلمي. وقبل أجاريت ثم إبلا كان من الصعب التعرف على خصوصية تاريخ هذه المنطقة القديم وثقافتها وميثولوجيتها.
فأجاريت هي الشاهد الأمين الصادق، الذي أعلن كما رأينا في أسطورة بعل ويم أنه يقول الحق؛ يعلن هزيمة العدو المتدخل القادم من البحر وانتصار بعل بن دجن رمز أرض البلاد وسمائها.
ولكن لكي نسجل شهادة هذا الشاهد الصادق أليس علينا أن نفهمه؟ أن نفهم ما أراد أن يقول، لا أن نحمِّل أقواله ما نريد نحن أن نقول. كما أنه لا يجوز أن نحمِّل الوثائق التوراتية فوق مضمونها."فعند دراسة الميثولوجية وتاريخ الأديان عدا الديانة الإسرائيلية- اليهودية لا يمكن، كما يقول الأستاذ موريس سنيسر، اعتبار النصوص التوراتية إلا كالنصوص الخارجية وليس أكثر من ذلك!".