أمام هذه المعطيات المسلَّم بها، يقرر بوتِّيرو هذه الحقيقة:"في 3 كانون الأول/ ديسمبر 1872 فقدت التوراة إلى الأبد ميزتها الخالدة بكونها أقدم كتاب معروف، كتابًا لا غيره من الكتب. في ذلك اليوم وقف جورج سميث، وهو واحد من أوائل علماء المسماريات ليعلن أمام جمعية الآثار التوراتية في لندن، بعد خمسين سنة من البحث والدراسة لقراء النصوص المسمارية أنه وجد في نصوص منقوشة بالمسمارية نصًا لقصة الطوفان قريبًا جدًا حتى في التفاصيل من النص التوراتي، وهو أسبق منه، وأثَّر فيه..".
والنص المعني هو اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش ويعود هذا النص إلى أواخر الألف الثاني، وهو منسوخ عن نص أقدم يعود إلى ما يعرف بقصة الحكيم أتراحسيس التي قد تعود إلى القرن السابع عشر ق.م"."
لقد أخذت التوجهات العلمية الموضوعية تفرض نفسها في العقود الأخيرة في الأوساط العلمية الغربية المعنية بدراسة آثار المنطقة وتاريخها، فبعد توجهات بارو الدينية في ماري، يهتم الجيل الجديد من الباحثين الأوربيين وفي طليعته مار جرون ودوران وشاربان بالآثار المادية واللغويات للكشف عن الحقائق ولجمع المعطيات من النصوص لتقديم المادة العلمية المجردة بموضوعية دون التقيد بأفكار مرسومة ومسبقة ويماثل هذا الموقف موقف الباحثين من المدرسة الإيطالية وفي طليعتهم ماريو ليفراني وأركي بعد التوجه المتسرع والتقليدي لقارئ نصوص إبلا الأول جيوفاني بتناتو.
ألا نرى، إذن، إن القافلة قد أخذت تعود إلى طريقها الصحيح، وأن من العبث الخوض في جدال حول الاستشراق ومواقف المستشرقين من التاريخ العربي القديم، بعد أن أغلقت أبوابه في العديد من الأوساط العلمية منذ سنين.