فهرس الكتاب

الصفحة 8133 من 23694

إن عملية التأريخ ليست هواية وليست أدبًا وحسب، إنها علم وصنعة، صنعة لها فنونها كما أراد ابن خلدون أن يقول، وهو لو كان في عصرنا هذا لقال بطريقة تعبيرنا: إن التاريخ علم بل جملة من العلوم، له مناهجه وطرائقه المميزة، وبكلمة قديمة حديثة له تقنياته التي يتحدد دورها العلمي في تصنيف كل ما خلفه الماضي من بقايا مادية وآثار مكتوبة وتحليل هذه الآثار للنفاذ إلى الشواهد أي إلى الوثائق، لكي يكتشف فيها، ومن خلالها وحسب، الزمن الذي انحدرت منه وكيف وصلت إلينا.. وبعد هذا التحليل الدقيق الطويل للشواهد واستنطاقها ليفهم عنها، يمكن حينئذ استخلاص النتائج في ضوء المعطيات، وهي الحقائق المتوفرة في حينه، عندها، وعندها وحسب يمكن صياغة محصلة البحث، دون أن يغيب عن المؤرخ الحصيف دائمًا عنصر الزمن.. إننا نقترب من الماضي لكي نفهمه، وننأى بذاتيتنا عنه لكي نصوغه في حدود الموضوعية التي لا يقوم تاريخ بدونها.

بهذه الطريقة يمكن أن نعرف أكثر عن حياة أولئك الناس، عن أشخاصهم ومشكلاتهم الصغيرة والكبيرة وأفكارهم وطرائق تفكيرهم ونظراتهم إلى الحياة فنعرف عندئذ صلة الأجيال بالأجيال لنحمل بجدارة ووعي عبء حفظ التراث القديم ومسؤولية حمايته ونقله ونشره.

هذا هو ميدان هذا التاريخ الذي نود التحدث عنه، وهكذا ينبغي أن يكون، فمن يكتب التاريخ، والتاريخ شهادة رصيدها الصدق، دون أن يمتلك أدوات الصنعة ومتطلبات الطريقة قد يرتكب ودون أن يدري من الأخطاء الفادحة ما لا يمكن التعويض عنه أو تصحيحه، شأنه في عمله وفي رسالته كشأن القاضي أمام الحق، والطبيب أمام قضية الحياة والموت، وكالمهندس أمام ضميره، والصيدلاني أمام ميزانه الدقيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت