منذ أكثر من قرن خرجت إلى النور وثائق فنية وأثرية وشواهد مادية ومكتوبة عن حياة تلك الأجيال القديمة من سكان هذه البلاد. وقد قام في بلاد الغرب عدد كبير من العلماء والباحثين في ميادين الآثار واللغات والآداب والقانون والتاريخ بتطبيق مناهج البحث المتطورة الخاصة بكل علم من العلوم: شاهدوا ولاحظوا ووصفوا ونظموا وصنفوا وفكروا وفسروا وقدموا تقارير عن جهودهم ومحصلات لأعمالهم العلمية. وقد قلبت هذه الدراسات والبحوث الصورة المتداولة عن تاريخ المنطقة من قبل. وملئت ثغرات وفجوات كبيرة. إلا أن ما تم إنجازه حتى اليوم ما يزال قليلًا، وأنه من العبث التصور أن كل شيء أضحى واضحًا الآن، وأنه من الممكن إعادة صياغة الماضي كله بالاستناد إلى ما تم كشفه أو العثور عليه...
فالماضي، التاريخ، عميق، عريق تتعمق بداياته بالكشوف والبحوث كل يوم وتتباعد حدوده وتتسع ميادينه دون أن يكون باستطاعة الباحثين المختصين في المؤسسات العلمية ومراكز البحوث الجامعية في داخل البلاد وخارجها الإحاطة بكل شيء.. لأن الأقدمين الذين نبحث عنهم ونريد أن نتعرفهم ونتصل بهم لم يتركوا لنا كل شيء، تركوا الكثير الجليل، ولكن هذا الذي تركوه وما وصل إلينا منه حتى اليوم لا يعدو أن يكون كحجارة مبعثرة ملونة وجميلة من آثار لوحة عظيمة رائعة من الفسيسفاء تبدو ملامح منها في بعض زواياها وجوانبها. إن إعادة تكوينها ورصفها وإخراجها من جديد إلى الوجود تحتاج إلى عبقرية العديد من الدارسين والباحثين التقنيين القديرين الصناع.