هذه مقاطع من بعض ما رواه كتَّاب أجاريت قبل حوالي أربعة وثلاثين قرنًا، مما كان عندهم من الحق وهو عندنا في أيامنا من الأساطير. فما الحق؟ وأين الحقيقة؟ إنها حقيقتهم الصارخة، فأين منها حقيقتنا نحن؟ الحقيقة التي ينبغي أن نتوصل إليها بالبحث الدقيق والتحقيق العلمي المسجل المكتوب؟ كيف يمكن أن نعرف ماذا حدث بالفعل ومتى وأين؟ في أية ظروف وفي أية مرحلة من تاريخ أجاريت؟ كيف يمكن أن نستقرئ هذه القصيدة الميثولوجية، وكيف يمكن لنا الاهتداء إلى معناها الحقيقي بين التفسيرات العديدة المطروحة على بساط البحث والدراسة؟ هذه سلسلة من التساؤلات التي يمكن أن تجر إلى سلسلة من التساؤلات الأخرى...
هل كان (يم) رمزًا لقوة معتدية خارجية بحرية واجهت مقاومة (بعل) ، ودفاعه الباسل عن البر، عن الأرض حتى استرد ملكوته بعد فترة عصيبة مرت بها البلاد؟.
أم هل نجد في انتصار بعل على يم طقسًا سحريًا معبرًا عن الدعاء بانتصار الملاحين الجسورين في مغامراتهم البحرية، وهم يقتحمون عُباب البحر المتوسط، البحر الكبير، عندما كانوا من أوائل من مخر لججه وطوّع أمواجه؟.
هذا مثال على ما خلفته الأجيال الماضية البعيدة من آثار مكتوبة هي بعض أساطير الأولين. فكيف السبيل إلى الانتقال من الأسطورة إلى التاريخ؟
2-رصد الماضي وإعادة تكوينه:
بعد أن اتسع نطاق التنقيبات الأثرية في سورية وبخاصة في العقود الأخيرة من السنين، بات من الضروري محاولة البحث عن محصلة جديدة للمعلومات التي يمكن استخلاصها من نتائج حملات التنقيب التي تقوم بها كل عام البعثات الأجنبية والوطنية في عدد كبير من المراكز التاريخية والمواقع الأثرية في البلاد، ومن الدراسات اللغوية للوثائق والنصوص المكتشفة منذ أكثر من نصف قرن وحتى اليوم.