إن البلاد العربية غنية بممكناتها المتنوعة الغزيرة. وهي تتسع اتساعًا وافيًا لمختلف الثقافات الأجنبية وهي قادرة على تمثلها مع الزمن. وكما أن الأغراس في الحدائق تحتاج إلى برهة للتلاؤم هي والأحوال الخارجية من تربة ورطوبة وحرارة وتغذية ورعاية وتعهد دائم لكي تنمو وتقوى وتتفرع وتزهر وتؤتي بالثمار الزكية تحتاج الأجيال إلى فترات زمنية ذات إيقاع مناسب لكي تتفاعل ثقافاتها وتتهيأ للنهوض والتفتح وإنشاء حضارة جديدة أصيلة. هكذا تم نهوض الأمم وظهورها بالتدرج على صعيد الحضارة العالمية. ولكنه تم أيضًا بالدعم الفعال من قبل المسؤولين والتعهد الدائم لنسغ الحضارة المتولد وتشجيع الأكفياء في كل ميدان. ولكل شعب مزايا يستطيع أن يظهرها في تحقيق مواهبه إن لم تحل دونه حوائل داخلية أو خارجية ولم تضلله تربية خاطئة ولا زيغ ناكب ولم يضيعه استلاب لحقيقته القومية والإنسانية. ولا مجال للاستلاب الثقافي إذا ارتكز النشء على المبادئ الصحيحة والتوجيه السليم وتم التعليم باللغة القومية وانتشرت الأفكار والثقافة والعلوم ونمت المواهب بين الناس وتحققت ملكاتهم ومواهبهم في طريق التقدم والعلاء. وعلى العكس يقضي التعليم باللغة الأجنبية على هذه المواهب والملكات ويجعلها ذيلًا للحضارة الأجنبية وملحقة بها إلحاق العمال في البلاد الرأسمالية الغربية بأصحاب المصانع وأرباب رؤوس الأموال.