ومن أغرب هذه المواقف ما ذكر ياقوت في إرشاد الأديب عن أبي الريحان البيروني فقد كان"مع الفسحة في التعمير وجلالة الحال في عامة الأمور مكبًا على تحصيل العلوم، منصبًا إلى تصنيف الكتب، يفتح أبوابها، ويحيط بشواكلها وأقرابها، ولا يكاد يفارق يده القلم، وعينه النظر، وقلبه الفكر إلا في يومي النيروز والمهرجان من السنة لإعداد ما تمس إليه الحاجة في المعاش من بلغة الطعام وعلقة الرياش، ثم هجِّيراه في سائر الأيام من السنة علم يسفر عن وجهه قناع الأشكال، ويحسر عن ذراعيه كمام الإغلاق"*. ثم يذكر ياقوت أن الفقيه عليّ بن عيسى الولوالجي قال:"دخلت على أبي الريحان وهو يجود بنفسه قد حشرج نفسه، وضاق به صدره. فقال لي في تلك الحال: كيف قلت يومًا حساب الجدات الفاسدة؟ فقلت له إشفاقًا عليه: أفي هذه الحالة؟ قال لي: يا هذا أودع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة ألا يكون خيرًا من أن أخلّيها وأنا جاهل بها؟ فأعدت ذلك عليه وحفظ وعلمني ما وعد، وخرجت من عنده وأنا في الطريق فسمعت الصراخ."وما ندري أوقعت هذه القصة حقًا أم كانت خيالية لإبراز حب أبي الريحان للعلم حتى في سياق الموت. وأبو الريحان هو الذي قال فيه المستشرق الألماني زخاو:"إنه أكبر عقلية عرفها التاريخ"وهو الذي اقترح مؤرخ العلوم الأمريكي سارتون تسمية النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي باسمه.