إن تضافر العلم والعمل والخير يجعلنا نفهم كلمة مفكر مسلم قديم (هو أبو يزيد البسطامي) تبدو غريبة مستهجنة في ظاهرها وهي:"أشد الناس حجابًا عن الله ثلاثة: عالم بعلمه وعابد بعبادته وزاهد بزهده"ذلك بأن العالم في رأينا إذا وقف عندما يعلم كان علمه محدودًا وغاب عنه ما وراء حدود علمه. والعابد إذ اقتصر على عبادته دون أن يخدم مجتمعه لم تنفعه العبادة الشخصية وحدها لأن غالبية العبادات إن لم نقل كلها ذات صفات اجتماعية تتعلق بتحسين المجتمع وتجويد العلاقات الإنسانية والسعي في خير الجميع. والزاهد بانصرافه عن عمارة الدنيا التي هي سبيل الخلود تقل موازينه في ميدان العمل المثمر. وكل تجافٍ عن النظر في الكون والبحث في أسراره وعن التعاون مع الناس إنما هو تباعد عن السنن الطبيعي وتنكب عن جوهر الإنسان. ولقد كان علماء الإسلام حرصًا على الإفادة من الزمن والخوف من فواته. كل ساعة عندهم وسيلة من وسائل الغنى العلمي والمادي. قالوا: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. وقال الجنيد:"الوقت إذا فات لا يستدرك، وليس شيء أعزَّ من الوقت."وقد كتب أبو الفرج بن الجوزي في كتابه صيد الخاطر:"ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته فلا يضيع لحظة في غير قُربة، ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل. ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل."
وقد نجد في التراث مواقف وأقوالًا غريبة وعجيبة ورائعة في تقدير الوقت خشية فواته وفي محبة العلم والحرص عليه. روي عن عامر بن قيس أحد التابعين أن رجلًا قال له: كلمني (وعرف خواء حواره) فقال له عامر: أمسك الشمس. أي أن الزمن لا يقف فتجب الإفادة منه وعدم إضاعته سدى.