ثم إن العلم أيًا كان موضوعه والعمل أيًا كان ميدانه ينبغي لهما أن يؤديا إلى مصلحة المجتمع وخدمة الإنسانية وتعليم الناس الخير. فالخير هو الهدف المقصود والغاية المرجوة من العمل والعلم معًا. لقد ورد في الحديث الشريف:"إن الله عز وجل وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير."ومن المعلوم أن الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن الغير دعاء. ولا رتبة فوق رتبة من تشتغل الملائكة وجميع المخلوقات بالاستغفار والدعاء له. ولهذا كان ثوابه لا ينقطع بموته. وإن دعاء الإنسان لأخيه الإنسان من الخير. فكيف بدعاء الملأ الأعلى ودعاء الورى وبالهام الحيوانات الاستغفار والدعاء له. وذلك لفضل العلماء وعملهم وإرشادهم وهو سبب لانتظام أحوال العالم. وذكر النملة والحوت بعد ذكر الثقلين تتميم لجميع أنواع الحيوان. ثم إن نفع العالم يتجاوز الناس إلى جميع الخلائق حتى النملة والحوت. وفي التعبير الحديث نقول: على العالم أن ينتبه للتوازن الحيوي فوق الأرض فلا يقع فيها تلوث ولا إجحاف ولا تخريب لأن العلم والعمل مسوسان بالخير العام ومسيَّران نحوه
ثم إن العالم العامل الذي يعلم الناس الخير يغدو قدوة لغيره من الناس. هنا نأتي إلى فكرة الأستاذ القدوة التي هي من مزايا الحضارة الإسلامية، ذلك أن الناس يعيشون على الاقتداء بأفاضلهم وأعاليهم كما نوه بذلك ابن خلدون قديمًا وكما أشاد بذلك أيضًا المفكر الفرنسي"تارد"حديثًا. فبالاقتداء الذي يؤلف غالبية الشبكة الاجتماعية يسري الخير في نفوس الناس وتسري المحبة والتضامن كما يسري النسغ الحي في نسج النبات في إبان الربيع.