فهرس الكتاب

الصفحة 8062 من 23694

هذا غيض من فيض وبرضٌ من عِدّ. ولم نذكر الرباطات والخوانق والزوايا التي كانت تملأ البلاد العربية والإسلامية والتي كان المرء أنى وجد يستطيع فيها أن يتفرغ للعلم والتأليف والنسخ والوراقة مكفيًا مؤونته المعاشية. ويُخيَّل لنا أن البلاد العربية والإسلامية بأرجائها الواسعة وسواحلها المتطاولة وسفوح جبالها النضرة وغياضها الخضراء من شماليها إلى جنوبيها ومن غربيها إلى شرقيها كانت تتلألأ بدور العلم والمعاهد والمكتبات تلألؤ السماء الصافية بالنجوم البديعة وتتألق بعلمائها الأعلام تألقها بالكواكب المنيرة تضيء ذلك كله شمس الإسلام.

ولهذا كله أنتجت الحضارة العربية الإسلامية ما لا يحصى من روائع البيان وبدائع العلم وثمرات العقول والقلوب وغرائب الابتكار وفرائد الاختراع في كل علم وفي كل فن وفي كل مضمار.

ولا غرو لما شرع الغربيون يطلعون على طائفة من تلك الفرائد وعلى قسط من تلك الغرائب وعلى نصيب من تلك البدائع والروائع وعلى جنى تلك الثمرات ذهلوا أيّما ذهول وخامرهم العجز عن أن يلحقوا بركب تلك الحضارة فطفقوا يتعلمون ويجمّعون الكتب والمخطوطات ويترجمون ويقلدون وينتحلون ما شاء لهم الانتحال والتقليد والترجمة والتعلم. ثم غدوا يطمسون آثار تلك الحضارة في نفوسهم وفي كتبهم وفي تقدمهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وحسبنا أن نشير هنا إلى فقرات كتبها الشاعر الإيطالي بتراركوس (1304-1374) يتبرم فيها بالحالة النفسية التي رانت على معاصريه. فهو يهيب ببني قومه ويستحثهم على الجرأة الفكرية والأدبية وينفخ في هممهم فهو يقول محنقًا ما ترجمته:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت