وكيسان هذا يترجم له السيوطي في كتابه"بغية الوعاة"فيورد قول أبي عبيدة فيه:"كان كيسان يخرج معنا إلى الأعراب فينشدوننا. فيكتب في ألواحه غير ما ينشدون، وينقل منها إلى الدفاتر غير ما فيها. ثم يحفظ من الدفاتر غير ما فيها ثم يحدث غير ما حفظ."
ولقد ضاق شاعر قديم بروايته فقال:
أقول له بكرًا فيسمع خالدًا
وقد نجد أمثال كيسان هذا في العصر الحاضر موزعين بين المحققين والمصححين والناشرين والموظفين وإن كانوا قلة نادرين. وكم تضيق صدورنا بالأخطاء المطبعية في الكتب التي تنشرها دور الطباعة اليوم. على أن طالب العلم ومعلمه ينبغي أن يكونا مكفيِّي المؤونة متفرغين لما هما بصدده من البحث وإلا كان مثلهما مثل أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي. قال:"حضرت مجلس يزيد بن هارون فأملى ثلاثين حديثًا فحفظتها فجئت إلى منزلي أعلِّق. فعلَّقت منها ثلاثة. فجاءتني الجارية وقالت: مولاي! فني الدقيق (أي الطحين) فنسيت سبعة وعشرين وبقيت ثلاثة."... من الوُرْق مطراب الأصائل ميهال
وهنالك أمثلة تظهر فضل المكتبات في إعداد العلماء. يروي الشيخ الرئيس ابن سينا أنه لما مرض نوح بن منصور الساماني في بخارى شارك وهو شاب ناشئ في مداواته حتى برئ فسأله يومًا الإذن في دخول دار كتبه ومطالعتها وقراءة ما فيها من كتب الطب فأذن له. فدخل دارًا ذات بيوت كثيرة في كل بيت صناديق كتب منضدة بعضها على بعض. في بيت منها كتب العربية والشعر. وفي آخر الفقه، وكذلك في كل بيت كتب علم مفرد. يقول ابن سينا:"فطالعت فهرست كتب الأوائل وطلبت ما احتجت إليه منها ورأيت من الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس قط، وما كنت رأيته من قبل ولا رأيته من بعد. فقرأت تلك الكتب وظفرت بفوائدها وعرفت مرتبة كل رجل في علمه. فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري فرغت من هذه العلوم كلها."