وصرير أقلامي على أوراقها ... أحلى من الدوكاه والعشاق
وألذ من نقر الفتاة لدفها ... نقري لألقي الرمل عن أوراقي
أأبيت سهران الدجى وتبيته ... نومًا وتبغي بعد ذاك لحاقي
بل قد بلغ حب الكتب من قلوب الناشئة والعلماء مبلغًا عميقًا حتى أن أبا عبد الله محمد بن سلامة المقرّي خشي أن يموت دون أن يذهب ظمؤه وينقضي أربه من ذلك الحب. ... فيما شغفت به من هذه الكتب
إني لما أنا فيه من منافستي
لقد علمت بأن الموت يدركني ... من قبل أن ينقضي من حبها أربي
كما يذكر ياقوت في مقدمة كتابه. ... ويكتبه زيدًا ويقرؤه عَمْرًا
ولعل اهتمام الجاحظ بالكتابة والأدب والعلم والفلسفة جعله يستغرق وينسى نفسه وكنيته فقد حدث مرة قال: نسيت كنيتي ثلاثة أيام حتى أتيت أهلي فقلت لهم: بم أكنى؟ فقالوا: بأبي عثمان.
وربما كان الجاحظ هو نفسه يضع النوادر ترويحًا، فقد ذكر أنه دخل مدينة واسط فبكر يوم الجمعة إلى المسجد فقعد فرأى على وجه رجل لحية لم ير أكبر منها وإذا هو يقول لآخر: ألزم السنّة حتى تدخل الجنة. فقال له الآخر:"وما السنة؟ قال: حب أبي بكر بن عفان وعثمان الفاروق وعمر الصديق وعلي بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي شيبان. قال: ومن معاوية ابن أبي شيبان؟ قال: رجل صالح من حملة العرش وكاتب النبي r وزوج ابنته عائشة (أخبار الحمقى) ."
يريد أمير الفكاهة من نادرته هذه أن ينبهنا على ألا نغتر بالمظاهر ولا بالألقاب إذ تكون أحيانًا مضللة.
وكان العلماء العرب يخشون التحريف وعدم الدقة في رواياتهم فاستعملوا الفكاهة للتنديد بهما. سأل أبو عبيدة كيسان كاتبه عن اسم رجل من شعراء العرب فقال اسمه خداش أو خراش أو خماش أو شيء آخر وأظنه قرشيًا. فقال له أبو عبيدة: من أين علمت أن نسبه في قريش؟ فقال: رأيت اكتناف الشينات عليه من كل جانب.