فهرس الكتاب

الصفحة 8057 من 23694

ولقد أحب الناس في الحضارة العربية الإسلامية الكتاب كل الحب ووصفوه بأجمل الأوصاف ونعتوه بأسمى النعوت وأكثرها غرابة وغنى. وأكاد أقول أن الجاحظ قد تغزل متفننًا بالكتاب في مستهل كتابه الحيوان حين أنشأ بنثره الممتع البليغ وصفه ذاك. ولا نستطيع أن نمر على ذكره دون أن تزدحم في البال بعض فقراته كاللآلئ المفصلة:"نعم الذخر والعقدة هو، ونعم الجليس والعدة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس لساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير والنزيل. والكتاب وعاء ملئ علمًا وظرف حشي ظرفًا وإناء شحن مزاحًا وجدًا. إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت ضحكت من نوادره وإن شئت عجبت من غرائب فرائده، وإن شئت ألهتك طرائفه، وإن شئت أشجتك مواعظه. ومن لك بواعظ مله، وبزاجر مغر، وبناسك فاتك، وبناطق أخرس، وببارد حار"ثم يقول:"ومن لك بطبيب أعرابي ومن لك برومي هندي، وبفارسي يوناني، وبقديم مولَّد، وبميت ممتع! ومن لك بشيء يجمع لك الأول والآخر والناقص والوافر، والخفي والظاهر، والشاهد والغائب، والرفيع والوضيع، والغث والسمين، والشكل وخلافه، والجنس وضده؟ وبعد فمتى رأيت بستانًا يحمل في ردن وروضة تقل في حِجْر، وناطقًا ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء؟ ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك ولا ينطق إلا بما تهوى؟ آمن من الأرض، وأكتم للسر من صاحب السر، وأحفظ للوديعة من رباب الوديعة..."إلى آخر هذا الوصف المتفنن في محاسن الكتاب ومزاياه. فلا غرو بعد هذا أن يقول أبو الطيب مشيرًا إلى العلم وإلى النضال معًا:

أعز مكان في الدنا سرج سابح

ولا عجب أن يفتخر جار الله أبو القاسم الزمخشري فيقول ساهرًا عاكفًا على القراءة والكتابة: ... من وصل غانية وطيب عناق

سهري لتنقيح العلوم ألذّ لي

وتمايلي طربًا لحل عويصة ... أشهى وأحلى من مدامة ساق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت