فهرس الكتاب

الصفحة 8055 من 23694

وهكذا كانت سِيَر الحكام في مختلف بقاع العالم العربي الإسلامي مثلًا في حبهم للعلم وتكريمهم للعلماء وحفزهم على جمع الكتب وتأليفها، ولا سيما في مصر والمغرب والأندلس. ولو كان اهتمام المؤرخين العرب قدماء ومحدثين مُنْصَبًا على تاريخ العلم وبناء المدارس وتأليف الكتب وجمعها بأنواعها أكثر من اهتمامهم بالملوك والرؤساء والحروب لظهر فضل الحضارة العربية الإسلامية أوضح مما ظهر ولطغى نورها على أنوار الحضارات الأخرى ولاستبان غناؤها في تقدم العلم والعرفان في كل مضمار ولتَبدَّت شدة تكريمها للمشتغلين بهما ورفعها لهم فوق كل مكانة ومكان، على الرغم مما أصابها من فتن وتحيَّفها من محن وتعرضت له من كوارث وغارات.

إن ما ذكرناه آنفًا يتناول المدارس المستقلة مؤخرًا عن المساجد وإن كان بعضها لا يخلو من مصلَّى تقام فيه الصلوات. بيْدَ أن المساجد والجوامع منذ أول الدعوة كما ذكرنا حتى الوقت الحاضر هي مراكز تعليم وتثقيف وتنوير. وهي لا تكاد تحصى في كل قطر. يأتي في طليعتها الجامع الأموي بدمشق والجامع الأزهر بالقاهرة وجامع الزيتونة بتونس وجامع القرويين بفاس وجامع قرطبة المشهور حيث حلقات العلماء والطلاب تنعقد دائمًا من قبل شروق الشمس إلى غسق الليل. ونحن نتصور عدد الجوامع الأخرى الكثيرة الصغيرة التي لم تكن تفتأ تبث العلم بأنواعه المختلفة. ويطيب لي هنا أن أذكر إلى جانب تعلمي في المدارس الرسمية الحكومية بمدينة حمص كنت وأنا فتى في نحو الخامسة عشرة من العمر أستيقظ قبل الشمس فأصلي الصبح وأسرع إلى جامع بازرباشي وهو جامع صغير على بعد كيلو متر من دارنا لأقرأ مع غيري من الطلاب كتب النحو والبلاغة والمنطق القديمة وتفسير البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) وأنهل بملء ملكاتي الناشئة المتحفزة من مناهلها العذبة الثرة ما كان لي فيما بعد قوة علمية أي قوة مع دراساتي للعلوم الأجنبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت