هذا ولما كانت الأشياء تتميز بأضدادها كما قال أبو الطيب:"وبضدها تتميز الأشياء"رأينا أن نورد هذه النادرة الغريبة يقصها علينا أسامة بن منقذ في كتاب"الاعتبار"وهو البطل الأديب الذي عاصر بعض الحروب الصليبية ووصف ظواهر تأخرهم في شؤون كثيرة وفي المداواة والطب. كتب:"ومن عجيب طبهم أن صاحب المنيطرة كتب إلى عمي يطلب منه إنفاذ طبيب يداوي مرضى من أصحابه. فأرسل إليه طبيبًا نصرانيًا يقال له ثابت. فما غاب عشرة أيام حتى عاد. فقلت له: ما أسرع ما داويت المرضى! قال: احضروا عندي فارسًا قد طلعت في رجله دُمَّلة وامرأة قد لحقها نُشاف، فعملت للفارس لبيخة ففتحت الدملة وصلحت. وحمَيْت المرأة ورطّبت مزاجها. فجاءهم طبيب أفرنجي فقال لهم: هذا ما يعرف شيئًا يداويهم. وقال للفارس:"أيما أحب إليك تعيش برجل واحدة أو تموت برجلين؟ قال: أعيش برجل واحدة. قال: أحضروا لي فارسًا قويًا وفأسًا قاطعًا فحضر الفارس والفأس وأنا حاضر فحطّ ساقه على قُرْمة خشب وقال للفارس: اضرب رجله بالفأس ضربة واحدة اقطعها. فضربه وأنا أراه ضربة واحدة ما انقطعت. ضربه ضربة ثانية فسال مخ الساق ومات من ساعته. وأبصر المرأة فقال هذه امرأة في رأسها شيطان قد عشقها. احلقوا شعرها فحلقوه، وعادت تأكل مآكلهم: الثوم والخردل. فزاد بها النشاف. فقال: الشيطان قد دخل في رأسها. فأخذ الموسى وشقّ رأسها صليبًا وسلخ وسطه حتى ظهر عظم الرأس وحكّه بالملح فماتت في وقتها. فقلت لهم: بقي لكم إلي حاجة؟ قالوا: لا. فجئت وقد تعلمت من طبهم ما لم أكن أعرفه (ص 132-133) .