ونريد بهذه المناسبة أن نتطرق إلى مصير هذا الكشف العلمي الرائع فقد جاء الطبيب الإيطالي أندريا ألباغو (مات عام 1520) بعد نحو قرنين من ابن النفيس وعكف يجمع المخطوطات العلمية العربية ويترجمها إلى اللاتينية ويقال أنه قضى في سورية قرابة ثلاثين سنة لهذا الغرض وترجم فيما ترجمه كتاب ابن النفيس. وأتى في ذلك الوقت طبيب ولاهوتي إسباني هو ميخائيل سرفيتوس (1511-1553) درس الطب في جامعات باريس ومونبليي ولوفان كما درس اللاتينية والعربية والعبرية وكانت هذه الجامعات متأثرة تأثرًا عميقًا بالطب العربي. ولما تخرج مارس الطب في بعض المدن الفرنسية ونشر كتابًا بعنوان"إصلاح المسيحية"عام 1553 في فيينا عارض فيه عقيدة الثالوث المسيحية والخطيئة الأولى وتعميد الأطفال فأثار الكنيسة واستدعته محكمة التفتيش في النمسا فأفلت منها ولجأ إلى جنيف ولكن قبض عليه فيها وأمر به المصلح الديني كلفن فأعدم حرقًا. وهو في كتابه ذاك يشرح الدورة الدموية الصغرى وينتحل كشفها. وقد ذكر المستشرق مايرهوف في الموسوعة الإسلامية أن الجمل التي كتبها سرفيتوس عن الدورة الدموية تكاد تكون نقلًا حرفيًا لما جاء في كتاب ابن النفيس. وعاش في الوقت نفسه أيضًا الطبيب الإيطالي ماتيو ريلدوكولمبو فألف كتابًا في التشريح عرض فيه الدورة الدموية الصغرى عرضًا مقاربًا جدًا لكلام سرفيتوس كما يؤكد ذلك مايرهوف. وأتى بعدهما بنحو خمسين سنة وليم هارفي الطبيب الانكليزي الذي تشيد كتب تاريخ الطب بكشفه للدورة الدموية.