وعند قيام إمارات الأتابك والشاهات على أنقاض السلاجقة بقي الشغف الكبير بالعلم لدى الأمراء والملوك الذين خلفوهم. ومن أبرزهم نور الدين محمود زنكي الذي غدا ملكًا لسورية فقد رعى العلم والثقافة رعاية مثلى على الرغم من نيران الحروب الصليبية وزيادة على تدبيره المحكم للقضاء على أولئك الغزاة. ومن المناسب أن نشير استطرادًا إلى أمره بصنع منبر فائق الصنعة هدية منه إلى المسجد الأقصى عند تحريره من الفرنجة. وقد أقامه في المسجد خليفته صلاح الدين فبقي تحفة فنية رائعة إلى عهد قريب حين شب الصهاينة الحريق في الجامع فاحترق المنبر. كان لنور الدين مجالس عظيمة لأهل العلم عنده وكان يجمعهم للبحث والنظر ويستقدمهم من البلاد الشاسعة وقد توطدت علاقته بالإمام شرف الدين عبد الله بن أبي عصرون الموصلي الأصل حين التحق به في مدينة حلب فنال حظوة عنده وأقام السلطان له مجموعة من المدارس في حلب ودمشق وحماة وحمص وبعلبك ومنبج وفوض إليه الإشراف عليها والتدريس فيها وتسمية من يراه أهلًا لتولي التدريس فيها وعرفت بالمدارس العصرونية. وبعد وفاة نور الدين عام 569 اطمأن إليه صلاح الدين فولاه قضاء القضاة وصحبه في وقعة حطين.