يروى أن الخليفة المعتضد كان مع ثابت بن قرة الحراني في بستان له ويده على يد ثابت. فانتزع يده بغتة من يد ثابت ففزع من ذلك فقال له المعتضد: يا ثابت أخطأت حين وضعت يدي على يدك وسهوت فإن العلم يعلو ولا يعلى.
قصة المعاهد العلمية والمكتبات ومكانة العلم في الحضارة العربية مستفيضة وواسعة. ولا بد لنا من أن نذكر أطرافًا منها في القسم الأول من هذا الحديث.
لما استولى السلاجقة على بغداد وعلى أغلب العالم الإسلامي ظهر منهم نظام الملك أبرز وزراء ذلك العهد. كان هو نفسه عالمًا عرف مكانة العلم فأنشأ المدارس الكثيرة التي نسبت إليه في بغداد وبلخ ونيسابور وهراة وأصفهان والبصرة ومرو وآمل والموصل كما يذكر السبكي في طبقاته. بل يقال أن له في كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة (طبقات الشافية ج3 ص 137) وأمد هذه المدارس جميعها بالأساتذة والأموال والكتب.
وكانت نظامية بغداد أولى تلك المدارس وأهمها. ومن المعروف المتداول أن نظام الملك لمح في مجالس معسكره الذي أقامه قرب نيسابور عبقرية الغزالي وعلمه حين قدم عليه فولاه التدريس في نظامية بغداد مع غيره من العلماء الأعلام. وذكر السبكي نقلًا أن الغزالي"علت حشمته ودرجته في بغداد حتى كانت تغلب حشمة الأكابر والأمراء ودار الخلافة". وهذا تنويه بمكانة العلم واحترام العلماء وبصورة من صور المجد الذي تبوؤه إذ ذاك.
ثم أنشأ المستنصر بالله الخليفة العباسي المدرسة المستنصرية في بغداد سنة 625 فكانت عظيمة الشأن مستفيضة النفع.