إن مسؤولية تربية الأولاد وتعليمهم تقع مباشرة على عاتق الآباء، خاصة في مرحلة الطفولة، ولم يستأجر الآباء معلمين للقيام بهذا الدور في العهد الإسلامي الأول. ولكن انشغال الآباء عن القيام بهذا العمل، أما لأنهم لا يطيقونه، أو للضرورات الاجتماعية، جعلهم يتخذون لأولادهم معلمًا، يختص بهم ويرعاهم. يقول القابسي:"ولما بعُد أن يوجد من الناس من يتطوع للمسلمين، فيُعلِّم لهم أولادهم، ويلازمهم لهم، ويكتفي بذلك التماس معايشه، صلُح للمسلمين من يكفيهم تعليم أولادهم، ويلازمهم لهم، ويكتفي بذلك عن تشاغله بغيره، ويكون هذا المعلم قد حمل عن آباء الصبيان مؤونة تأديبهم (27) ."
ثم يضيف القابسي قائلًا:"وقد اجتمعت الروايات على أن للمعلم حصته بمقدار ما علَّم" (28) . لذلك يجب أن يكافأ ويكارم إذا كان الغلام يتهجى تهجيًا حسنًا، ويخط خطأ جميلًا، ويكتب ما يُملى عليه، ويقرأ نظرًا ما أمر بقراءته. فأما إذا لم يحسن الهجاء، ولم يحكم الخط، ولم يقرأ شيئًا نظرًا، فلا يجب للمعلم في ذلك شيء، بل يجب عليه التأنيب والتعنيف (29) . ويضيف القابسي قائلًا:"فإن اعتذر ببله الصبي، واختُبر فوجد لذلك لا يحفظ ما علِّم، ولا يضبط ما فُهِّم، فلم يحصل لهذا المعلم إلا إجارة حوزه وتأديبه، لا إجارة التعليم" (30) .
أما كيفية دفع أجرة المعلم، وهي ما يعرف اليوم بالأقساط، فقد ترك القابسي أمرها للاتفاق المعقود بين المعلم وولي أمر الصبي، ما دامت هذه العملية خاضعة لشروط يتفق عليها الطرفان. لذا قال القابسي:"لا بأس أن يقدم الرجل إلى معلم الكتَّاب حقه قبل أن يدخل الصبي؛ ولا بأس أن يستأجر الرجل المعلم على أن يعلم القرآن بأجر معلوم، إلى أجل معلوم، أو كل شهر؛ ولا بأس في إجارة المعلمين سنة بسنة" (31) .
3 ـ تفرغ المعلم للتعليم: