يعتبر التطلع إلى الماضي ظاهرة اجتماعية عامة، تبرز لدى كثير من الشعوب، قديمة كانت أو حديثة، مهما اختلفت بيئاتها وأزمنتها، وقد يصبح التطلع إلى الماضي تعلقًا به وبكل ما جاء فيه، ورفضًا للحاضر ولكل ما يظهر فيه؛ أو يكون الأمر نقيض ذلك فيرفض القديم لقدمه، ويستحسن الحاضر لحداثته. وهناك من يقف موقفًا وسطًا، فلا ينظر إلى الماضي بعين الجلالة لتقدمه، ولا إلى الحاضر بعين الاحتقار لتأخره، بل ينظر بعين العدل للماضي والحاضر، للاستفادة من أفضل ما فيهما، من علم وخير ومنفعة، فالأصالة والتحديث هما وجهان لعملة واحدة، الوجه الأول هو باطن البناء الاجتماعي، والوجه الثاني هو ظاهرة.
آراء القابسي في التربية والتعليم:
القابسي: هو أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القروي، المعروف بابن القابسي (20) ، إمام في الحديث ومتونه وأسانيده وجميع ما يتعلق به؛ فقيه، شيخ المالكية، صالح تقي ورع، وكان ضريرًا (21) .
ولد سنة أربع وعشرين وثلاثماية في قابس (22) ، ورحل إلى الشرق سنة اثنتين وخمسين، فحج وسمع كتاب البخاري بمكة، ثم رجع إلى القيروان سنة سبع وخمسين، وبقي فيها إلى أن تُوفي سنة ثلاث وأربعماية. صنف القابسي تصانيف فائقة في الأصول والفروغ منها:"الممهِّد في الفقه"،"والمنقذ من شُبَه التأويل""وملخِّص الموطأ" (23) و"الرسالة المفصَّلة لا حوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين" (24) وغيره من كتب الفقه والحديث.
وإذا نظرنا إلى القابسي من خلال رسالته"المفصلة لا حوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين"، وجدناه صاحب رأي واجتهاد، يرفعانه إلى درجة كبار المربين، ولاسيما إذا عرفنا إنه عاش في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي، وهو العصر الذي يعتبر أسوأ عصور الظلام والتأخر من الغرب.
ويمكننا تقسيم آراء القابسي التربوية إلى مجموعة عناصر رئيسة هي:
آ ـ إلزامية التعليم.
ب ـ المعلم.
ج ـ العملية التعلمية.
د ـ المتعلم.