وهم الشداة من فقهاء المدرسة، أي جماعة الطلبة الذين يتفقهون في العلوم ويتعمقون في المعارف، ويكون عددهم محدودًا بحسب شرط الواقف"وعليهم التفهم على قدر أفهامهم، والمواظبة إلا بعذر شرعي" (79) .
يؤكد هذا النص أمرين: أولهما تحديد عدد الطلبة الفقهاء، وذلك حرصًا على الفائدة، وثانيهما: التشديد على ضرورة الدوام والمواظبة على الدروس، وهذا الركنان أساسيان وهامان في الدراسة الجامعية.
والوصايا التعليمية، والنصائح التربوية كثيرة جدًا. يقول السبكي:"ومن أقبح ما يرتكبونه تحدث بعضهم مع بعض في أثناء قراءة الجزء من الربعة (80) ، فلا هم يقرؤون القرآن، ولا هم يسلمون من اللغو في الكلام، فإن انضم إلى ذلك أن قراءة الجزء شرط الواقف عليهم، وأن حديثهم في الغيبة، فقد جمعوا محرمات" (81) .
يؤكد هذا القول أن عدم الانتباه في الدرس، والتحدث في غيره، وإهمال المفروض عليهم في شرط الواقف، يوقع الطالب في المحرمات، ذلك لأن المسيء يحجب عن زملائه الفوائد العلمية، كما أنه يرتكب الإثم في هذه الغيبة من الحديث.
ويصف السبكي بعض النماذج من الطلاب الذي لا يلتزمون كما ينبغي بآداب العلم، فيقول:"وربما فتح كتابًا ينظر فيه ولا ينظر لما يقوله المدرس، بل يجلس بعيدًا عنه، بحيث لا يسمعه. وهذا لا يستحق شيئًا من المعلوم، ولا يفيده أن يطالع في كتاب، وهو في الدرس، فلو اكتفى الواقف منه بذلك لما شرط عليه الحضور" (82) .
يتضح مما تقدم معنا التزام الفقهاء بآداب العلم والبحث في الإسلام، كما لاحظنا أن الطلاب الفقهاء كانوا يتمسكون بآداب العلم والدراسة والبحث، ذلك لأن طبيعة العلم والتعلم في الإسلام تعتمد أصلًا على أن التمسك بأهداب الفضيلة، وقد لاحظنا أن السبكي بحث هذا الموضوع، وعد خلافه داخلًا في باب المحرمات والمنكرات.