"وحق الحق، إني لأعجب من عالم يجعل علمه سبيلًا إلى حطام الدنيا، وهو يرى كثيرًا من الجهال وصلوا من الدنيا إلى ما لا ينتهي هو إليه، فإذا كانت الدنيا تنال مع الجهل، فما بالنا نشتريها بأنفس الأشياء، وهو العلم؟!؟" (66) .
ثم يحذرنا بعد ذلك من التردد على أبواب السلاطين لئلا نفسد العلم، ويذكرنا أن سفيان الثوري (المتوفى سنة 161هـ) كان ينبه العالم ويقول:"إن دعوك لتقرأ عليهم (قل هو الله أحد) ، فلا تمض، ولا تقرأها، وبالجملة أنت أخبر بنفسك، فابحث عنها..." (67) .
لا نستغرب أن رأيناه يرفض طلب الخليفة العباسي ليلي الحكم، فأبى ذلك، وخرج من الكوفة ليقيم في مكة والمدينة، ثم طلبه المهدي من بعد للأمر نفسه، فتوارى، وانتقل إلى البصرة، فمات فيها وهو مستخف.
ولنا في قصة الإمام الكبير البخاري (المتوفى سنة 256هـ) دليل آخر على موقف العلماء من بعض أولي الأمر الذين يرون أن دولة السياسة أعظم من سلطان العلم.
عاد البخاري إلى مسقط رأسه في أخريات حياته بعد رحلته العلمية الطويلة في خراسان، والعراق، والحجاز، ومصر، والشام، وجمع خلال ذلك نحو ستمائة ألف حديث، اختار منها ما وثق بروايته ورواته في صحيحه المشهور، ولم يكن ليثبت أي حديث قبل أن يصلي ركعتين.
طلب منه أمير بخارى خالد بن أحمد، وهو من الظاهرية، أن يأتيه بالجامع الصحيح والتاريخ الكبير وغيرهما، ليحدثه ويسمع منه في قصره، فأجابه بقوله المشهور:
"أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت إلى شيء منه حاجة، فأحضرني في مسجدي، أو في داري، وإن لم يعجبك، فأنت سلطان فامنعني من الجلوس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة، لأني لا أكتم العلم لقول النبي (ص) :"من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار)، فكان سبب الوحشة بينهما هذا" (68) ."
كما رفض بعد ذلك أن"يعقد مجلسًا لأولاده لا يحضرهم غيرهم"وقال:"لا يسعني أن أخص بالسماع قومًا دون قوم" (69) وكان هذا سببًا في نفيه عن البلد.