وابتنى بعد ذلك المنصور قلاوون"دار ست الملك أخت الحاكم المعروفة بـ (الدار القطبية) بيمارستانا في سنة ثلاث وثمانين وستمائة بمباشرة الأمير علم الدين الشجاعي، وجعل من داخله المدرسة المنصورية... وهو من المعروف العظيم الذي ليس له نظير في الدنيا، ونظره رتبة سنية يتولاه الوزراء ومن في معناهم" (62) كما ذكر أن هذا البيمارستان معروف بكثرة أوقافه، وسعة إنفاقه، وتنوع الأطباء والكحالين والجراحين (63) .
القسم الثاني
العلم والعلماء
يحسن بنا بعد هذا العرض المسهب عن المدارس ودور العلم على اختلافها وأهميتها الكبرى في الثقافة الإسلامية وتطورها عبر العصور، أن نتحدث عن أعضاء الهيئة العلمية، وطبيعة النظام التربوي المتبع فيها، وسوف نرى أن نظام الجامعات العالمية الحالي، ليس في واقع الأمر إلا النظام المطبق بصورة مجملة، وسوف تتضح صورته من خلال بيان هذا النظام بشكل مفصل.
كان لكل دار من دور العلم: مدرسوها ومعيدوها، ومفيدوها، يضاف إليهم الإمام، والمؤذن، والخادم، والقيم، وخازن الكتب.
هذا كله عدا الفقهاء والمتفقهة، والشداة من طلبتها.
المدرس:
كان، على رأس كل مدرسة، مدرس أو أكثر، ويتم تعيينه عادة بمرسوم سلطاني، يصدر عن السلطان، أو من ينوب عنه بتعيينه، ويكون، بالطبع، من أقدم العلماء المدرسين، وأكفئهم، وأرسخهم في العلم والدين.
أشار السبكي إلى أن العلماء"فرق كثيرة، منهم المفسر، والمحدث، والفقيه، والأصولي، والمتكلم، والنحوي، وغيرهم..." (64) .
واستطرد بعد ذلك فتحدث عن الواجبات الملقاة عليهم، فقال:"ويجمع الكل أنه حق عليهم إرشاد المتعلمين، وإفتاء المستفتين، ونصح الطالبين، وإظهار العلم للسائلين..، وألا يقصدوا بالعلم الرياء، والمباهاة، والسمعة، ولا جعله سبيلًا إلى الدنيا..." (65) .
ويتحدث السبكي بعد هذا الاستطراد عن طائفة من العلماء الذين غرتهم الحياة الدنيا، فأقسم متعجبًا: