هكذا أسهم الأيوبيون في بناء دور العلم، بالرغم من قصر مدة حكمهم، ونختتم حديثنا عنهم بذكر الملك الصالح نجم الدين أيوب، فقد أنشأ مدرسة، سماها (المدرسة الصالحية) ، وعندما احتفل بافتتاحها أنشد الشاعر أبو الحسين الجزار (28) .
ألا هكذا يبني المدارس من بنى
ومن يتغالى في الثواب وفي البنا
كما جرت العادة عند افتتاح مدرسة ما أن يقام احتفال يحضره السلطان، والأمراء، والفقهاء، والقضاة، ويمد سماط للمدعوين، وبعد انتهاء الدعوة يخلع السلطان على كل من عمل في بناء هذه المدرسة، ويعين لها المدرسين والمعيدين، ويحبس عليها الأوقاف الكثيرة كما رأينا لكي يدفع نفقات للتدريس والطلبة، ويلحق بها دور الكتب التي تساعد الباحثين على الدراسة ومتابعة البحث العلمي.
ومن المفيد هنا أن نورد حديث ابن جبير في رحلته عن كثرة الأوقاف التي رآها ببلاد الشام:
"ولكل مشهد من هذه المشاهد أوقاف معينة: من بساتين، وأرض بيضاء، ورباع، حتى أن البلد تكاد الأوقاف تستغرق جميع ما فيه، وكل مسجد يستحدث بناؤه، أو مدرسة، أو خانقة، يعين لها السلطان أوقافًا تقوم بها، وبساكنيها، والملتزمين لها، وهذه أيضًا من المفاخر المخلدة" (29) .
لم يقتصر الأمر في بناء المدارس، ودور العلم، ودور الحديث، على الملوك والسلاطين الأيوبيين، وإنما تعداهم إلى نسائهم العالمات والأميرات الخواتين. ولم نعرف لهذا التطور مثيلًا في التاريخ الإسلامي قديمًا أو حديثًا.
ذكر ابن جبير ذلك، فقال:"ومن الخواتين ذوات الأقدار من تأمر ببناء مسجد، أو رباط، أو مدرسة، وتنفق فيها الأموال الواسعة، وتعين لها من مالها الأوقاف" (30) .
نذكر من الخواتين أربعًا:
الخاتون الأولى منهن ست الشام أنشأت مدرستين للشافعية: وهي (الشامية البرانية) و (الشامية الجوانية) .