لقد أدرك الخلفاء الراشدون بثاقب بصيرتهم ونور عقيدتهم هدف الشعر إذ ذاك. فلم يحفلوا منه إلا بما يخدم المجتمع الجديد ويوطدّ دعائمه. وصدفوا عن كل انحراف أو ضلال فيه. ولعل الطرفة الآتية تظهر ما نقصده:
"استعمل عمر بن الخطاب النعمان بن عدي بن نضلة على ميسان، فبلغه عنه الشعر الذي قاله وهو:"
ومن مبلغ الحسناء أن خليلها [1]
إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... وصناجة تجذو على كل منسم [2]
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلم
لعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم
?بسم الله الرحمن الرحيم. حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم. غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير?. ... على النفوس غدت أيامها رغدا
أما بعد فقد بلغني قولك: لعل أمير المؤمنين يسؤوه... البيت. وإيم الله إنه ليسوؤني. فأقدم فقد عزلتك. فلما قدم عليه، قال: يا أمير المؤمنين! والله ما شربتها قط، وإنما هو شعر طفح على لساني، وإني لشاعر. فقال عمر: أظن ذاك، ولكن لا تعمل لي على عمل أبدًا." [3] "
إن الشاعر قد دافع عن نفسه أمام عمر بكونه شاعرًا، وللشاعر متسع في القول، فهو قد يقول ما لا يفعل، ولا يلزم من وصفه أمرًا أو تغنّيه به وقوع هذا الأمر. وعمر يعلم ذلك حق العلم وإلا لأقام عليه الحد، ولكنه كان يرى في الشعر على حد تعبيرنا اليوم"الالتزام"الإيجابي ولا سيما بالنسبة إلى والٍ مسؤول ينتهج مثاله وتحتذى شمائله. كان عمر يرى لزوم اقتران الجمال والخير معًا والصدوف عن الفضول وعما لا خير فيه ولا نفع. كان متحسسًا لأعباء المجتمع الجديد. متشوفًا إلى آفاقه ومراميه البعيدة.