لا أكون قلت كل الذي أريد أن وقفت عند هذا الحد من تحليل العلاقات بين الشاعر وشعره، بين ذي الفن وفنّه، إذ لابد أن أختم هذا البحث بالتطور الكبير الذي طرأ على النظرة الاجتماعية إلى الفن وإلى صاحب الفن وهو تطور يذكّر بموقف عمر بن الخطاب ذاك وبوجوب فهم الشاعر أو الفنان لرسالته. ذلك أن الفن غدا بأنواعه المتعددة سلاحًا في تطور عميق. وعلى الفن وذويه أن يعوا هذا التطوّر وأن يساعدوا في مضمار النضال القومي والإنساني للتحرر الراقي ومقاومة الاستغلال ومناوأة الاجتياح وأن يهيئوا ولادة إنسانية جديدة مُثلى يكون الإنسان فيها حرًّا وأخًا للإنسان وذلك في سبيل التقدم الصحيح والتعاون السليم وبناء الدنيا بناءً جديدًا كريمًا يليق بمزايا القلب والفكر الإنسانيين.
إن الفن بسعة تاريخه وتنوع اتجاهاته وكثرة تجاربه وبعد مراميه كالخضم الغامض الأعماق، المنفسح لأرجاء والآفاق والممتد بالجهد والإلهام بين الأرض والسماء. وكم في غياب هذا الخضم من لآلي ثمينة وتجارب واعظة وأمانيّ مستشرفة.
ألا إن ماضي الفن يحكم حاضره ويوجه مستقبله.
والخلاصة أن الفن إذا شبهناه بالنور نريد أن يكون كشعاع الليزر أداة تقوى على تدمير الفساد وذريعة صالحة لشفاء العلل ووسيلة طريفة إلى الابتكار والتقدم.
الفن كالنور إن تشرق مباهجه
وأمتَعُ النورِ ما جَلَّت أشعته ... سُجْفَ الظلام وزاد العالمين هدى
الفن كالليزر الوقّار عنصره ... فيه الشفاء وفيه للفساد ردى
لولا الجمال ولولا الفن ما خشعت ... شمس الغروب ولا رف الصباح ندى
ولا سَبَتْ مقلة حوراء فاتنة ... قلبًا ولا شاق نجم في الدجى أحداَ
الفنّ والعلم والأخلاق موكبها ... أسُّ الحضارة للإنسان مذ وجدا
[1] ـ يروي أيضاًَ حليلها.
[2] ـ في الأصل يحدو وهو تصحيف. ومعنى تجذو ترقص قائمة على الأطراف أصابعها.
[3] ـ شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة ج 3 ص 98، جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة، جمع أحمد زكي صفوت ج 1 ص 282.