وتبلغ به رهافة حسّه وعمق ألمه أن يتحامى كل أذى يصيب به كائنًا ما كان ويتحامى أيضًا أن يطعم طعامًا من أصل حيواني. ولا شيء عنده ذو خطر في هذه الحياة الدنيا التي يدعوها"أم دفر."... فلن تحكميه في بناتي ولا في ابني
لقد عُمِرَّ أبو العلاء ولكنه مازال يشعر بألم الجرح الأول وفاة والده الذي نكأه الجرح الثاني وفاة والدته. فهو في اللزوميات على أواخر حياته يقول قطعة شعرية على وزن تلك التي قالها في صباه إذ يرثي بها والده يخاطب الدنيا فيها وكأنه يتحدّى رغباتها في اتصال الذرية والنسل. فهي لن تؤذي له نسلًا كما آذته وجارت عليه في أبيه وفي بصره وفي نفسه:
فإن تحكمي بالجور فيّ وفي أبي
وأوقدت لي نار الظلام فلم أجد ... سناك بطرفي بل سنانك في ضِبني
تلك العقد النفسية الفنية الخمس وأمثالها من هيمان الشعراء والفنانين في فجاج وأودية شتى كما يوضح التحليل النفساني والبحث الموضوعي لا تكون منفصلة بل هي على الغالب مختلطة متشابكة وبمقادير مختلفة. وقد أشار إليها القرآن الكريم بألطف إشارة وأنعم عبارة ولكنه مع الإشارة نبّه على لزوم السبيل الأقوم والطريق الأسلم:"والشعراء يتبّعهم الغاوون. ألم تر أنّهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون. إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعدما ظُلِموا وسيعلم الذين ظَلَموا أي منقلب ينقلبون" (الشعراء 224 ـ 227) . ذلك أن الشعراء والفنانين كغيرهم من البشر واقعة عليهم المسؤولية."وقفوهم إنهم مسؤولون" (الصافات 24) . بل تقع عليهم المسؤولية أكثر منها على غيرهم. فينبغي بما وهب لهم من مواهب فنية أن ينتصروا على الظلم. أو ليست الفنون كلها حاصلة على حاستي السمع والبصر العقليتين الفنيتين يمدهما من ورائهما القلب والفكر؟!"إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا."... بميسان يُسقى من زجاج وحنتم
(الإسراء 34) .