ثم شبّ الفتى وسافر يطوف حلب وأنطاكية واللاذقية وطرابلس ليطّلع على مكتباتها وليتصل بعلمائها وشيوخها. ثم ها هوذا يقصد بغداد ويقيم بها سنة وسبعة أشهر يحضر فيها مجالس المفكرين والعلماء واللغويين والأدباء. وهو في غربته يشعر بحنين خفي يشدّه إلى المعرة حيث الكنز الثاني كنز المحبة، قلب أمه العجوز. وفي أصيل يوم ربيعيّ جلس في بهو المكتبة التي أنشأها نصر سابور بن أردشير وزير الملك بهاء الدولة بن عضد الدولة وكانت تضم نحو اثني عشر ألف مجلد، فترامى إلى سمعه ترجيع ورقاء تسجع على فَنَنٍ مزهر، فزاد ذلك شجوه، وكأنما شعر بهاتف يهتف به للرجوع إلى موطنه. فقال قصيدته المعرفة بين الأدباء منها: ... من الوُرق مطراب الأصائل ميهال
وغنّتْ لنا في دار سابور قينة
رأت زهرًا غضًا فهاجت بِمزهرٍ ... مثانيه أحشاء لطفن وأوصال
فقلت تَغنَّي كيف شئت فإنّما ... غناؤك عندي يا حمامة إعوال
وهي تدلّ على شجو مكظوم. فالورقاء ميهال أي آهلة مستوطنة وهو يكابد الغربة. وهي ترجع فرحة ولكن ترجيعها في سمعه يبدو أعوالًا. ... من الدهر فلينعم بساكنك البال
وفي هذه القصيدة يأسى على الزمن الذي أمضاه بعيدًا عن بلده:
فيا وطني إن فاتني بك سابق
ولكن هيهات للساكن المقيم أن ينعم باله فكيف بالمسافر الغريب: ... فلا تسأل عن الخبر النبيث
لقد مرضت أمه وأرسلت إليه تستدعيه فخفّ إلى الرجوع، غير أنها تُتَوفَّى قبل أن يصل. توفيت وهو في الخامسة والثلاثين من عمره. ووفاة الأم من أصعب الأزراء فكيف في نفس الفتى الضرير العازب الحساس. نكاد الموت جرحه القديم فاستشفّ عمق بلاء الحياة الدنيا. ولذلك يوطّن نفسه على كظم نزعاتها وعلى لزوم بيته. يا له رهين المحبسين بل رهين السجون الثلاثة:
أراني في الثلاثة من سجوني
لفقدي ناظري ولزوم بيتي ... وكون النفس في الجسد الخبيث