انظروا إلى هذه الصفحة الغربية العجيبة التي تصف ماءً يعجز أيّ سائح في الأرض وأيّ جغرافي عن أن يكشفا منطقة وجوده على وجه الكرة الأرضية. إن الجزيرة التي فيها هذا الماء تقع على خط عرض20 َ83ْ وخط طول5 َ43ْ.
ذلك الماء شراب جميع السكان المتوحشين في الجزيرة. تقول القصة:"بسبب خاصيّة هذا الماء رفضنا أن نتذوقه ظانّين أنه فاسد. ولم يمض وقت طويل حتى فهمنا أن جميع جداول الماء في الأرخبيل من ذلك النوع. لا أعرف كيف أُعطي فكرة واضحة عن طبيعة هذا السائل. ولن يتاح لي ذلك إلا باستعمال كثير من الكلمات. فمع أن الماء يسيل بسرعة على جميع المنحدرات كما يسيل الماء الاعتيادي فليس له ظاهرة الصفاء التي للماء المعتاد إلا عندما يتكسّر في الشلالات. وعلى الرغم من ذلك ينبغي أن أقول هو صاف كأي ماء كلسيّ موجود. ولكن الفرق ليس قائمًا إلا في الظاهر."
للنظرة الأولى وخاصة حين يكون الانحدار ضئيلًا يشبه ذلك الماء في القوام محلولًا كثيفًا من الصمغ العربي في الماء الاعتيادي. وهذا أقل صفاته الغربية أهمية. وليس عديم اللون، ولا له لون واحد متجانس. وهو إذا جرى قدّم للعَيْن جميع صور الأرجوان كلمعان بعض أنواع الحرير المتبدْل وتوهّج ألوانه وانعكاساتها. وإذا متَحْنا هذا الماء وملأنا به بركة وتركناه يستقر ويهدأ لجّه لمحنا أن كتلة السائل متألفة من عدد من الأوردة الواضحة. كل وريد ذو لون خاص. ولا تمتزج هذا الأوردة بعضها ببعض. وتماسك الذرات التي تؤلف الوريد تامٌّ من أجل هذا الوريد، ناقص من أجل الوريد الآخر. ولو حاولنا أن نُمِرَّ نصلًا بين أجزاء الماء لوجدنا الماء يعود فيلتئم فورًا وراء النصل. وعند نزع النصل تنسدّ آثار مروره في الحال. ولكن إذا فصل النصل بين وريدين فإن الفصل يتمّ ولا تتلافاه على الفور قوة التماسك. إن ظواهر هذا الماء كانت الحلقة الأولى من سلسلة العجائب البادية التي كان ينبغي أن تحفّ بنا هناك مع الزمان.""