فهرس الكتاب

الصفحة 7652 من 23694

إن إعطاء الشجرة كل يوم ظلًا يشير في هذا الاعتبار إلى فكرة الموت والمسيطرة التي اعتادها المؤلف وألِفَها. فالموت يبدو تاريخًا طويلًا مؤلمًا مبرّحًا، وليس قصة لحظة محتومة منقضية. إنه نوع من الهزال أو الضنى الدائم الكئيب. والمؤلف الحالم تجاه الجدول يفكر في الكائنات التي تعيد إلى البارئ وجودها شيئًا فشيئًا بعد أن استنفدت ببطء مادتها فانتهت إلى الموت. فهي كهذه الأشجار التي تقدّم ظلالها الواحد تلو الآخر. والماء يشرب الظلال فيصبح أكثر سوادًا بسبب هذه الفريسة التي يبتلعها (جزيرة الجنيّات) .

صور العقل الباطن أو اللاشعور تبدو أقوى وأكثر سيطرة واستحواذًا عليه في قصصه. ولا غرو في ذلك لأن مجال القصة أرحب من مجال القصيدة.

لادغار بو قصة تدعى"مغامرات أرتور غوردن بيم". وهي قصة سياحات وحوادث غرق مشحونة بتفاصيل عن حياة الملاحين ومكتظة بأفكار وملاحظات تدّعي العلم والمعرفة. وهي بجملتها أن اعتبرت من هذه الناحية الواعية أفضت بالقارئ إلى الملل والبرم. ولكنها إذا اعتبرت من ناحية اللاشعور تبرز قيمتها حقًا وتغدو في طليعة روايات بو. إنها ليست قصة حوادث واقعية، ولكنها قصة مغامرات لا شعورية، هي تجري في غور النفس وتقع في غياهب العقل الباطن. تبدو كأنها حلم ليلي كامل. فهي بهذا الاعتبار من أهم كتب بو. هنا مثال قويّ وواضح على أهمية التوجيه الفلسفي في إبراز قيمة الأثر الأدبي. فلولا التحليل النفساني لصور هذه القصة لما كان لها أيّ مكانة. ولا يجوز للنقد الأدبي أن يعتمد دائمًا على الحدس العفوي ولا على الملاحظة الغريزية وإلا رجَعَ الآثار الشعرية والأدبية التي تجربة معادة مكرورة بسيطة مغلقة لاحظَّ فيها للإبداع.

والنقد بذلك ينسى وظيفة الأدب والشعر الحقيقية التي هي إعطاء الكون وجهًا جديدًا. وهذا الكون كله لا وجود له من الناحية الشعرية إلا في طريق الخيال المتجدد المبدع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت