فهرس الكتاب

الصفحة 7651 من 23694

ذكر الفيلسوف الفرنسي غاستون بشلار في كتابه"الماء والأحلام"خلاصة بحث مدام بونابرت حتى أبانت إبانة واضحة أن الصورة الرئيسية التي تسيطر على شاعرية أدغاربو إنما هي صورة الوالدة في سياق الموت. جميع النساء اللائي أحبّهن بو أصنافًا من الحب انتزعن الموت منه انتزاعًا. هيلين وفرنسين وفرجينيا يجدّدن ألمه الأول ويوقدن إيقادًا جديدًا نار أساه القديم. لقد طبع ذلك الألم بطابعه العميق نفس ذلك اليتيم الفقير الصغير. فالموت يبدو من خلال أشعار بو أمرًا إنسانيًا مألوفًا. فهو ما يفتأ يصف الحياة بالموت. حتى المناظر الطبيعية إنما يحددها الخيال الأساسي الذي تتلامح له فيه والدته وهي في نزع الموت. أليزابت والدته، هيلين صديقته، فرانسيس والدته بالتبنّي، فرجينيا زوجته، كل منهن تموت في سريرها بالسل. ولذلك نجد في شعره كل صفاء يدخل فيه الكدر، وكلَّ ضياءٍ ينساب إليه الظلام، كما يلحق البطء والكدر والثقل الماء النابع الحيّ المتوثب. والأشجار في الغاب كأن وظيفتها إنشاء ظلال سود. فهي أبدًا تُعين الليل في إضفاء الظلام الأسود على الكون. كل شجرة تعطي في اليوم ظلًا كما تسقط أوراقها في السنة. يقول بو:"كنت أتوهم أن الظلال كلما هبطت الشمس أسفل فأسفل كانت تنفصل أسفل فأسفل كانت تنفصل آسفة من جذوع الأشجار التي كوَّنتها فيمتصّها ماء الجدول على حين تتكوّن ظلال أخرى من الأشجار في كل لحظة لتأخذ محالَّ أخوتها السابقة المائته."

تبدو هذه الظلال إذن حيّة مادامت متصلة بالأشجار. ولكنها لا تلبث أن تتركها فتموت أو لا تلبث أن تموت فتتركها. وهي تغوص في الماء لتُدفن فيه كأنما تُدفَن منه في موت أشدّ سوادًا من الموت نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت