فهرس الكتاب

الصفحة 7649 من 23694

وعلى العكس قد يعمد ذو الفن فيصور حياته وما يلقاه ويمارسه ويكابده فيها صادقًا أو بشيء من التسامي والصقل والتهذيب. وعندئذ يكون الفنان في ذاته وفي تأليفه معًا من صنف واحد، كأن يعمد المنطوي فيصور خواطره وهواجسه وما يخالجه ويداخله من وراء أشخاص رواياته الذين يصفهم ويحلل نفسياتهم، أو يعمد المنبسط فيصف مغامرات روائية هو بطلها. فالمنطوي عبئها عن نفسه أو لتوكيد مشاعره التي تعتلج صدره. والمنبسط قد صاغ تجربته للمحيط الخارجي صوغًا فنيًا وألّفها تأليفًا متناسبًا جميلًا.

ولما كان شعور الفنان ولا شعوره من صنفين متقابلين فقد تتلامح الصور من أعماق اللاشعور فتختلف عن الصور الشعورية كما أسلفنا آنفًا وقد تمتزج جميعًا. وثمة عند يونغ اللاشعور الجمعي زيادة على اللاشعور الفردي. واللاشعور الجمعي أوسع وأعمق من اللاشعور الفردي. فيه خلاصة تجارب النوع الإنساني وتجارب القوم الذين ينتسب إليهم الفنان وآثار البيئة التي نشأ فيها والأسرة التي تحدر منها.

ويقوم الإبداع في مدى وعي حصوله على بعث الرموز الإنسانية الخالدة المدفونة في غياهب اللاشعور الجمعي وعلى صوغها وتهيئتها واستكمالها حتى تبلغ حد الإمتاع والإعجاب."وكأن الذي يستعمل تلك الصور الأولى يتحدث بألف صوت، إن جاز هذا التعبير. فهو يعي ويدبّر هذا الذي يتحدث عنه ناقلًا صفته المفردة الزائلة إلى نطاق الدوام السرمد. إنه يرفع المقدار الشخصي إلى رتبة مقدار الإنسانية، مطلقًا في كل إنسان هذه القوى النصيرة التي كثيرًا ما أمدت النوع الإنساني فنجا وعاش بعد دامس الظلام المتطاول. وفي هذا يكمن سر الفن."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت